كانت الرحلة التي قمت بها مؤخراً إلى برلين سبباً في استحضار ذكريات قديمة لزيارة قمت بها إلى المدينة في عام 1967، عندما كنت طالباً فقيراً وقف متعجباً أمام الجدار الذي أقيم ليفرق بين أفراد مجتمع كامل ويدمرهم طيلة عقدين آخرين من الزمان.

واليوم تنبض برلين بالحيوية والنشاط وتجدد شبابها، بعد أن أعيد بناؤها بالعمل الجاد بسواعد الشعب الألماني وتضحياته لتوحيد شطري البلاد، وأصبحت موقعاً ملائماً لمؤتمر معهد الفكر الاقتصادي الجديد، الذي كنت هناك لحضوره.

وكان موضوع المؤتمر الرئيسي هو «النموذج المفقود»، حيث اجتمع أكثر من ثلاثمئة من خبراء الاقتصاد، وعلماء السياسة، ومحللي الأنظمة، وعلماء البيئة لإعادة النظر في النظرية الاقتصادية والسياسية في استجابة للتحديات والشكوك التي فرضها التفاوت المتنامي، ومعدلات البطالة المرتفعة، والفوضى المالية العالمية، وتغير المناخ.

ولقد اتفق الجميع تقريباً على أن نموذج الكلاسيكية الجديدة في الاقتصاد بات معطلًا، ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق على ما يمكن أن يحل محل هذا النموذج.

ولقد أرجع أمارتيا سِن الحاصل على جائزة نوبل الأزمة الأوروبية على أربعة إخفاقات ــ سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية. فقد أثارت تساؤلات لا نستطيع الإجابة عنها، نتيجة لفرط التخصص وتجزؤ المعرفة.

ورغم هذا فلا أحد يستطيع أن ينكر أن العالم أصبح مكاناً بالغ التعقيد في مواجهة أي نظرية بسيطة شاملة لتفسير التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والديموغرافية والبيئية المعقدة.

إن العالم مقدم على موجة جديدة مما سماه الاقتصادي جوزيف شومبيتر «التدمير الخلاق»: فحتى في حين تناضل البنوك المركزية في محاولة للحفاظ على الاستقرار من خلال إغراق الأسواق بالسيولة، فإن الائتمان الذي تحتاج إليه الشركات والأسر بات في انكماش مستمر.

ونحن نعيش في عصر من الخوف من التضخم والانكماش في نفس الوقت؛ ولا يمكننا تأجيل الآلام المترتبة على التعديل والتكيف إلى الأبد عن طريق طباعة النقود.

* رئيس معهد فونغ العالمي.