تشكل سوريا حالياً أكبر كارثة إنسانية وأخطر نقطة جيوسياسية ساخنة في العالم. فقد تم قتل أكثر من 400.000 وتشريد عشرة ملايين من أبناء الشعب السوري، فالجماعات المتطرفة العنيفة والمدعومة من "وكلاء" أجانب تنهش البلاد وتفترس الشعب بلا رحمة. جميع الأطراف في النزاع - نظام الرئيس بشار الأسد، القوى المناهضة للأسد بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها وداعش - كلهم ارتكبوا ولازالوا يرتكبون جرائم حرب خطيرة.
لقد حان الوقت لإيجاد الحل. لكن يجب إرساء هذا الحل على أسس شفافة وواقعية بسبب ما خلفته الحرب منذ البداية.
جرى التسلسل الزمني للأحداث على النحو التالي: في فبراير 2011، قامت احتجاجات سلمية في المدن الكبرى في سوريا، في خضم الانتفاضات والاحتجاجات التي اجتاحت العالم العربي والتي أطلق عليها اسم "الربيع العربي".
وكان رد فعل نظام الأسد عبارة عن مزيج من القمع العنيف (إطلاق النار على المتظاهرين) وتقديم عروض للإصلاح. وسرعان ما تصاعد العنف بعد ذلك. واتهم المعارضون النظام باستخدام القوة ضد المدنيين دون توقف، في حين أشارت الحكومة إلى مقتل الجنود ورجال الشرطة كدليل على وجود متطرفين عنيفين وسط المتظاهرين.
كما يبدو أنه في وقت مبكر من شهر مارس أو أبريل 2011 بدأ المقاتلون والمسلحون المعادون للنظام بدخول سوريا من الدول المجاورة. فالعديد من روايات شهود عيان تحكي عن الجهاديين الأجانب الذين انخرطوا في هجمات عنيفة ضد رجال الشرطة.
(لكن من الصعب تأكيد مثل هذه المعلومات، خصوصا بعد حوالي خمس سنوات، وقد حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة خلع الأسد من السلطة في ربيع عام 2011، معتقدين أنه سيسقط بسرعة مثل المصري حسني مبارك والتونسي زين العابدين بن علي.
وقد فرضت الولايات المتحدة خناقاً شديداً على التجارة وعقوبات مالية على النظام. ودعا معهد بروكينغز الداعم للسياسة الرسمية للولايات المتحدة لإسقاط الأسد، كما ارتفعت الدعاية المناهضة للأسد في وسائل الإعلام الأميركية.
(وحتى ذلك الحين، اعتبر الأسد في وسائل الإعلام الأميركية حاكماً جيداً نسبياً، وإن كان استبدادياً، كما أشارت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون في أواخر مارس 2011 أن الكثيرين في الكونغرس الأميركي ينظرون إلى الأسد كشخص مصلح).
ويعود إطلاق الحرب إلى 18 أغسطس 2011، عندما أعلن الرئيس باراك أوباما وكلينتون أن "الأسد يجب أن يرحل". حتى ذلك الوقت، كان العنف لا يزال تحت السيطرة. وقد وصل مجموع الوفيات، بما في ذلك المدنيون والمقاتلون، إلى حوالي 2900 (وفقا لحصيلة أعدها معارضو النظام)، وبعد أغسطس، ارتفع معدل الوفيات بشكل كبير.
ويقال أحيانا إن الولايات المتحدة لم تتصرف بقوة في هذه المرحلة. وقد قام خصوم أوباما السياسيون بمهاجمته بسبب اتخاذه لإجراءات قليلة جدا. ولكن الولايات المتحدة عملت بالفعل على إسقاط الأسد، وإن كان معظم محاولاتها سرية وعبر الحلفاء.
وبطبيعة الحال، لا يمكن للتسلسل الزمني تفسير الحرب. ولهذا، نحن بحاجة ماسة لدراسة دوافع الفاعلين الرئيسيين. أولا وقبل كل شيء، إن الحرب في سوريا هي حرب بالوكالة، وقد بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الحرب في عام 2011 من أجل إسقاط نظام الأسد.
وقوبل التحالف الأميركي بتصاعد مضاد من روسيا وإيران، والحليف المفوض من إيران جيش حزب الله اللبناني الذي قاتل جنبا إلى جنب مع حكومة الأسد، وكان اهتمام الولايات المتحدة بإسقاط نظام الأسد يكمن على وجه التحديد في اعتمادها على الدعم الإيراني والروسي.
وقد اعتقد مسؤولون أمنيون في الولايات المتحدة أن إزالة الأسد من شأنه إضعاف إيران وتقويض حزب الله، وتراجع تأثير روسيا، وظنا منها أن إسقاط الأسد أمر سهل اعتمدت الولايات المتحدة - وليس للمرة الأولى - على الدعاية الخاصة بها. وقد واجه النظام معارضة شديدة، لكنه حصل على دعم داخلي كبير.
والأهم من ذلك، أن النظام يتمتع بحلفاء أقوياء، لاسيما إيران وروسيا. وكان من السذاجة بمكان الاعتقاد أنه لن تستجيب له أي من هاتين الدولتين. ووفقاً لوسائل الإعلام الأميركية والأوروبية، فإن التدخل العسكري الروسي في سوريا غادر وتوسعي.
لكن الحقيقة مختلفة. لا يجوز للولايات المتحدة بموجب ميثاق الأمم المتحدة تنظيم التحالف وتمويل المرتزقة وتهريب الأسلحة الثقيلة لإسقاط حكومة دولة أخرى. إن روسيا في هذه الحالة ترد ولا تتصرف. إنها بذلك تجيب على استفزازات الولايات المتحدة ضد حليفتها.
ويتطلب إنهاء الحرب التمسك بستة مبادئ. أولا، توقف الولايات المتحدة عن العمل على إطاحة الحكومة السورية سواء كان ذلك علناً أو سراً . ثانيا، يجب على مجلس الأمن للأمم المتحدة تنفيذ وقف إطلاق النار الموجود قيد التفاوض الآن، داعيا جميع الدول لوقف تسليح وتمويل القوات العسكرية داخل سوريا.
ثالثا، ينبغي على جميع الأنشطة شبه العسكرية أن تتوقف، بما في ذلك ما يسمى "بالمعتدلين" المدعومين من قبل الولايات المتحدة.
رابعا، يتعين على الولايات المتحدة وروسيا وأيضا مجلس الأمن الدولي دعوة الحكومة السورية بشكل صارم ومسؤول للكف عن الإجراءات العقابية ضد معارضي النظام. خامسا، ينبغي أن يكون الانتقال السياسي تدريجيا مع بناء الثقة بين جميع الأطراف، وليس من خلال الطرق التعسفية، والاندفاع اللذين سيقودان إلى "انتخابات حرة".
وأخيراً، يجب الضغط على الدول المنخرطة في النزاع من أجل التفاوض وجهاً لوجه في إطار إقليمي من شأنه ضمان السلام الدائم. لقد عاش العرب والأتراك والإيرانيون مع بعضهم البعض لآلاف السنين. فعليهم تمهيد الطريق لنظام مستقر في المنطقة ولا يتركوا ذلك للقوى الخارجية.
* أستاذ التنمية المستدامة، وأستاذ السياسات الصحية والإدارة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا. وهو أيضا مدير شبكة حلول التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
