ضرب تراجع السلع العالمي، وتباطؤ الاقتصاد في الصين، عدة اقتصادات أفريقية، وهذا يعني أن «صعود القارة» كان خرافة، والآن، فلقد حان الوقت لإعادة فحص أسس «الازدهار» الأخير لأفريقيا، وذلك بالتحول من الخطاب الذي يجعل المرء يشعر بالراحة، إلى أفعال تحرك التحول الاقتصادي الحقيقي.
إن الدول المصدرة للسلع، مثل أنغولا وغانا ونيجيريا وجنوب أفريقيا وزامبيا، تترنح حالياً، بسبب تدهور عملاتها منذ الانخفاض الكبير في أسعار البضائع، مثل النفط والنحاس، كما أن السياسات المالية والنقدية في حالة فوضى، مع وجود خطر زيادة الاضطرابات الاجتماعية، لو لم يتم عكس هذا الاتجاه على المدى القريب أو المتوسط.
إن لب المشكلة هو كالآتي: لقد أخطأت الدول الأفريقية عندما ظنت أن الازدهار الذي غذته دورة استثنائية تتعلق السلع، هو في واقع الأمر تحول اقتصادي مستدام، فالازدهار عادة ما يوحي بحسن الحظ العابر، فإما أن تستمتع بهذا الازدهار، طالما استمر ذلك، أو أن تدخر العائدات للأيام الصعبة، ولقد اختارت معظم الحكومات الأفريقية الخيار الأول.
لقد استفادت أفريقيا في واقع الأمر من ارتفاع النمو في الناتج المحلي الإجمالي، ومن زيادة الفرص خلال العقد الماضي، ولكن لا يزال مئات الملايين من الأفارقة ينتظرون انتشالهم من براثن الفقر بالطريقة التي تمكنت الصين من خلالها من تحقيق ذلك، وهو مسار تتبعه دول آسيوية أخرى، مثل الهند وفيتنام كذلك.
مما لا شك فيه، أن العديد من الأفارقة قد أصبحوا يتمتعون بالثراء الفاحش، وأصبحوا يلعبون دوراً أكبر في عالم الإعمال، وارتفعت ريادة الإعمال، وخاصة بين الأفارقة الشباب، حيث حل ذلك تدريجياً مكان المساعدات الأجنبية ذات الأفق المسدود، ولكن لا تزال الأغلبية الساحقة من الأفارقة يتخلفون عن الركب بشكل كبير.
على الرغم من انتشار الديمقراطية الرسمية في القارة، فإن طبيعة السياسة المحلية في معظم الدول الأفريقية بالكاد تغيرت، فالقيادة الحقيقية لا تنطوي فقط على حشد المواطنين، من أجل التصويت للمرشحين، ولكن أيضاً على الإدارة الفعالة والاستراتيجية، وتنفيذ السياسة العامة..
ولكن عادة ما يتم السعي للسلطة من أجل السلطة بحد ذاتها، أو من أجل تأمين السيطرة على موارد الدولة بالنيابة عن الأقارب من نفس العرقية أو الأخوة في الدين، فالسياسة لم تصبح بعد كما هو مفترض، تنافساً بين الأفكار والبرامج التي تؤثر في جميع المواطنين والفساد يزدهر في مثل هذه البيئة.
إن من الضروري كذلك، أن يكون هناك فهم صحيح للاقتصاد، ولقد فشلت القارة وقادتها حتى الآن بفهم، أو عندما يفهمون بتطبيق الدروس التاريخية المتعلقة بكيفية خلق ثروات الشعوب، وعوضاً عن ذلك، فنحن عادة ما نرى قبولاً بدون تمحيص للحكمة التقليدية للعولمة، من أجل تحقيق مصالح ذاتية.
إن تحقيق الازدهار في السياق الشامل للعولمة، يتطلب خلق اقتصاد تنافسي مبني على إنتاج وتصدير القيمة المضافة، ولكنه يتطلب كذلك التعامل الانتقائي مع المعاهدات الدولية التي تفضل المنتجين الجيدين التنافسيين، ولكنها تضع عوائق أمام الدول النامية، والتي أصبحت بشكل متزايد أسواقاً لتلك المنتجات، إن بعض هذه المعاهدات تحرم الدول الأفريقية من إمكانية الانضمام إلى سلاسل القيمة العالمية، ما يعيق تنميتها.
هذا هو بالضبط لماذا خطأ أفريقيا الأكبر هو الاعتقاد بأن المصادر المعدنية وغيرها من السلع الخام، هي تلقائياً مصدر للثروة. إن هذه الفكرة الخاطئة هي السبب لماذا أفريقيا هي أغنى قارة في العالم من حيث الموارد، ولكنها في الوقت نفسه أفقر قارة من حيث نصيب الفرد من الدخل.
إن تنافسية أفريقيا المستقبلية وازدهارها، تكمن في الفرص التي توفرها التقنية والعلم والابتكار، فمن نيروبي إلى لاغوس وجوهانسبورغ، تنتشر مراكز الابتكار، وهذا ليس مفاجئاً، فهو يعد ولادة جديدة للمهارات الأفريقية التقليدية في العلوم، كما تدل على ذلك إهرامات الجيزة، وعلم الفلك لقبيلة داجون في مالي القديمة، وعمليات الولادة القيصرية في أوغندا بالقرن التاسع عشر.
إن لدى قادة أفريقيا في القطاعين العام والخاص، فرصة التخلص من المعوقات التي تمنع تسويق الابتكارات الأفريقية، وخاصة في الاقتصادات الكبيرة، مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا (والتي لديها سياسة ابتكار متقدمة، مقارنة ببقية القارة) وكينيا. يجب تطبيق الابتكار على التصنيع التنافسي الذي يوفر في التكلفة والصناعات الخدمية.
إن تراجع السلع يجب ألا يوقف التنمية الأفريقية، ولكن لو أردنا تحقيق ازدهار دائم، فإن تحديات اليوم يجب اعتبارها كفرصة من أجل إعادة تحديد مسار اقتصادات القارة، لتمضي في طريق التغيير الصحيح.
* نائب محافظ سابق للبنك المركزي النيجيري، وهو يعمل حالياً أستاذاً ممارساً في إدارة الأعمال الدولية والسياسة العامة في كلية فلتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة توفتس
أفريقيا المستقبلية تكمن في فرص يوفّرها العلم والابتكار
