إن من الممكن القول إن النظام العالمي في أسوأ أحواله منذ نهاية الحرب الباردة. إن أولئك الذين يحاولون حفظ السلام يشعرون بالارتباك وانعدام الأمل في وجه أزمات لا تنتهي ومفسدون متهورون. عندما يجتمع قادة العالم في ألمانيا لحضور مؤتمر ميونيخ للأمن الثاني والخمسين في نهاية الأسبوع، سيحاولون إيجاد طريقة لحل بعض المسائل الخطرة للغاية.

في واقع الأمر حملت السنة الماضية بعض الأخبار الطيبة، فلقد أدت الجهود الدبلوماسية الحثيثة إلى حصول اختراقين يمكن أن يقودا إلى أبعاد إيجابية بعيدة المدى: الصفقة المتعلقة ببرنامج إيران النووي واتفاقية باريس للمناخ، ولكن بقية الصورة تبعث على الكآبة.

إن الأزمات الكبيرة اليوم تتجاوز حتى إنها تشكك بالحدود الدولية. إن الحروب في سوريا والعراق لم تؤد إلى تفكك النظام السياسي للشرق الأوسط فحسب، بل أدت كذلك إلى جعل أوروبا تصارع من أجل إيجاد حل مشترك لتدفق اللاجئين ولم يحدث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إن تم تشريد هذا العدد الكبير من الناس من منازلهم.

إن الوضع في الشرق الأوسط يلخص كيف يمكن أن يمتد تأثير الصراع إلى مناطق بعيدة عن أرض المعركة. لم يعد الصراع في سوريا منذ فترة طويلة حرب أهلية، بل أصبح أزمة إقليمية كاملة، إن تنظيم داعش بقاعدته الإقليمية وحضوره العدواني على الإنترنت وشبكته الدولية من المقاتلين بما في ذلك أتباع في أوروبا- قد أثبت أنه تنظيم عالمي بحق.

إن التوقعات المستقبلية في أماكن أخرى ليست أكثر إشراقاً، ففي ليبيا ومالي وأفغانستان انهارت الدولة أو أنها عرضة لخطر الانهيار. إن العلاقات بين إيران والسعودية لا يمكن أن تكون أسوأ من الوضع الحالي باستثناء غياب المواجهة العسكرية المباشرة.

 لقد زادت التوترات بين تركيا وروسيا بدرجة كبيرة وبالنسبة للإنترنت فإن الحكومات والجهات الخاصة على حد سواء يستغلون ترابط العالم الحديث، ما يهدد المعلومات الحساسة والبنية التحتية الحيوية في جميع أرجاء العالم، وعوضاً عن «حلقة البلدان التي تحكم بشكل جيد»، التي تصورها الاتحاد الأوروبي ضمن استراتيجيته الأمنية سنة 2003، أصبحت القارة محاطة «بحلقة من النار». إن الأمن الأوروبي يتعرض للتهديد مجدداً حيث زادت وتيرة التمارين العسكرية، كما لا تزال أزمة أوكرانيا من دون حل.

مهما يكن من أمر فإنه يبدو أن الشخصيات السياسية الرئيسة تعتقد أنه يمكنها التعامل مع التحديات الانتقالية، وذلك عن طريق اللجوء لقصر النظر على مستوى الوطن. إن هذا النهج غير المجدي سيؤدي فقط إلى أنصاف حلول أو ما هو أسوأ من ذلك.

بعض الحكومات استجابت لأزمة اللاجئين عن طريق سياسات تؤثر سلباً على جاراتها، ما يجبر الدول المجاورة على تحمل معظم العبء ونتيجة لذلك فإن العنصر الأساسي للتكامل الأوروبي- منطقة الشنغن من دون حدود- تتعرض لتهديد، حتى إن المناصرين التقليديين لنظام عالمي ليبرالي مبني على أساس التعددية والقانون الدولي أصبحوا يشككون بقدرتهم في صنع الأحداث.

إن الادعاءات بتراجع الولايات المتحدة الأميركية على الساحة الدولية هي مبالغ بها على الأرجح، ولكن على الأقل في صراعين جوهريين في السنوات الأخيرة- أوكرانيا وسوريا- لم تلعب الولايات المتحدة الأميركية الدور الدبلوماسي البارز، الذي كانت تلعبه بالماضي.

لقد أصيبت أوروبا بالشلل بسبب مشاكل عدة رئيسة: إجماع مهزوز على العقوبات ضد روسيا واستمرار الأسئلة حول اليورو وخطر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وعودة بروز القومية غير الليبرالية والشعوبية، ولو بقيت أوروبا تميل للخلل الوظيفي فإنها لن تتمكن من لعب دور مهم في المستقبل.

وبينما تفشل الدول وتنهار الحكومات يقوم الزعماء المارقون بملء فراغ السلطة وفي أفغانستان فإن بروز طالبان مجدداً يقوض أكثر من عقد من التقدم وفي أفريقيا والشرق الأوسط يعيق الرجال الأقوياء محلياً، والمتطرفون الإسلاميون التقدم نحو السلام أو يطلقون العنان لمزيد من الصراعات.

في غضون ذلك بدأت التوترات بين بعض أقوى بلدان العالم بالتصاعد فروسيا تحت حكم الرئيس فلاديمير بوتين حريصة على أن تقدم نفسها كونها لاعباً عالمياً حتى لو كان اقتصادها يعاني من عقوبات دولية ومن تراجع أسعار النفط ونقص التحديث.

لقد كانت هناك إشارات قليلة على حدوث تقارب بين روسيا والغرب، ولكن الخلافات حول سوريا هي خلافات كبيرة وخاصة بعد أن دعمت روسيا هجوم الحكومة السورية على أجزاء حلب، التي يسيطر عليها الثوار، ما أدى إلى نهاية سريعة لجولة محادثات السلام الأخيرة في جنيف. إن فشل روسيا في تطبيق أجزاء كبيرة من اتفاقية منسك في أوكرانيا هي نقطة خلاف جوهرية أخرى.

لقد بدأت الصين بالانخراط بشكل أكبر في القضايا الدولية ولكن بدلاً من أن تصبح مساهماً مسؤولاً في النظام العالمي الليبرالي، يبدو أنها اختارت التركيز على خلق هياكل حكم موازية يمكن أن تشكلها طبقاً لرغباتها، كما أن قيام الصين بتعزيز حضورها وخاصة في بحور الصين الشرقية والجنوبية لا يزال يشكل مصدر قلق لجاراتها الصغيرات، التي ترغب في حضور أميركي أقوى في المنطقة.

إن من المرجح أن ندخل في مرحلة من تصاعد المخاطر والغموض والتحولات الأساسية - الدخول في حقبة عالمية أقل استقراراً. يتوجب على القادة العالميين العمل معاً من أجل إعادة بناء النظام العالمي وتقوية الترتيبات المؤسساتية والحد من انتشار الفوضى.

إن خطر وقوع حرب كبيرة بين الدول لا يزال احتمالاً بعيداً ولكن لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة فإنه لا يمكن اعتبار تصاعد العنف بين القوى الكبرى على أنه كابوس غير واقعي ولو حصل ذلك فإن التحديات التي تواجه العالم اليوم سوف تتضاءل مقارنة بما قد يحدث في تلك الحالة.

إن جزءاً من هذه المقالة مبني على أساس مقال في تقرير أمن ميونيخ لسنة 2016، الذي تم نشره بمناسبة مؤتمر ميونيخ للأمن الثاني والخمسين.

* سفير ألماني سابق في الولايات المتحدة الأميركية وهو يعمل حالياً كونه رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن وأستاذاً في السياسة الأمنية والممارسة الدبلوماسية في كلية هيرتي للحوكمة في برلين.