قبل أن يسهل التمويل الحديث من العيش على الأموال المقترضة كان الغرق في الديون يعتبر شيئاً غير أخلاقي. لقد حث بولويوس ابنه لايرتس في إحدى مسرحيات شكسبير «ألا يكون مديناً أو دائناً». إن توقع النمو الاقتصادي غير المتقطع قد جاء بمنظور جديد. إن دين الرهن العقاري الذي كان غير معروف قبل قرن من الزمان يشكل الآن 74% من ديون العائلات في الدول المتطورة
( 43% في الدول النامية). لقد كانت البنوك تقرض والعائلات تقترض وكأن من المؤكد أن يكون الغد أفضل من اليوم.
لقد كان المتوقع من الحكومات أن تضبط ميزانياتها باستثناء خلال الحرب ولكن تلك الحكومات أيضاً كانت تتوقع ارتفاع الإيرادات باستمرار وبمعدلات ضريبة ثابتة أو منخفضة وعليه كان يبدو من الحصافة الاستمرار في الاقتراض بضمان المستقبل، والآن مع وجود عائلات وحكومات عديدة تواجه مشاكل تمويلية قوية فإنه يبدو أن هذا الطرح لم يعد صحيحاً ولكن الشيء الأكيد الوحيد هو أن نسبة الدين «الآمن» تعتمد على السياق.
لو نظرنا للدنمارك والولايات المتحدة الأميركية لوجدنا أنه في سنة 2007 وصلت نسبة الدين/الدخل في العائلة الدنماركية إلى 269% وبينما وصلت النسبة في ذروتها في الولايات المتحدة الأميركية إلى 125% ولكن معدلات التقصير في الدفع لدى العائلات في الدنمارك كانت لا تكاد تذكر مقارنة بالولايات المتحدة الأميركية..
حيث في ذروة الركود تقريباً كانت ربع الرهون تقريباً «تحت الماء» واختار بعض ملاك المنازل التقصير الاستراتيجي عن الدفع، ما أشعل المزيد من الضغط الهبوطي على أسعار المنازل، الذي أضر بالعائلات المدينة الأخرى.
إن من الممكن أن يعزى ذلك إلى توزيع المقترضين ففي الدنمارك كانت العائلات ذات الدخول المرتفعة الأكثر اقتراضاً مقارنة بدخلها وبقيت معايير الإقراض العقاري مرتفعة (كان الحد الأعلى للرهون هو 80% من قيمة العقار). أما في الولايات المتحدة الأميركية..
فإن العائلات ذات الدخول الأقل (الخمس الأدنى) كانت نسبة الدين/الدخل لديها أعلى من نسبة العشرة بالمئة الأعلى وكانت تعطى الرهونات العقارية للناس مثل كرات العلك وفي الولايات المتحدة الأميركية وإسبانيا وإيرلندا أصبحت البنوك والعائلات كما قال الكاتب الصحافي مارتن ولف في جريدة فاينانشال تايمز «مضاربون مثقلون بالديون في أصل ثابت».
أما بالنسبة للدين الحكومي فكانت نسبة الدين/الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 230% مقارنة بنسبة 177% في اليونان ولكن العواقب كانت وخيمة بشكل أكبر بكثير في اليونان منها في اليابان.
إن توزيع الدائنين هي مسألة حيوية، فمعظم حاملي السندات في اليابان هم من المواطنين (أو البنك المركزي) ولديهم مصلحه في الاستقرار السياسي. إن معظم حاملي السندات في اليونان هم من البنوك الأجنبية، ولكن بينما أزمات الثقة تأتي بشكل أسرع جداً عندما يكون الدين مملوكاً بشكل أساسي للأجانب، لم يتم اتخاذ أية خطوات من أجل أن يقتصر الاقتراض الحكومي على المصادر المحلية.
نحن نعلم الآن بأن توقع النمو غير المنقطع كان وهماً ولكن الحكومات كانت بطيئة في الاستعداد للأزمة المقبلة. إن الأدوات الإحترازية مثل رأس المال لمواجهة التلقبات ومتطلبات الاحتياطي بالنسبة للبنوك قد تم إضعافها من قبل أصحاب المصالح في القطاع المالي وبينما كانت الحكومات تحاول (وإن كان بشكل غير فعال ) تخفيض صافي التزاماتها، كانت تشجع العائلات على زيادة ديونها من أجل دعم إستعادة النمو «الصحي».
إن تقرير مكينزي يستخدم بيانات توافقية من صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أجل التنبؤ إنه باستثناء ألمانيا واليونان وإيرلندا فإن من المقرر أن ترتفع نسبة الدين/الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات المتقدمة وهذا ينذر بالخطر ولكن جزءاً كبيراً من هذا الإنذار مبني على الإشاعة الكاذبة التي عادة ما تتكرر..
والتي تدعي أن الإنفاق الحكومي هو غير منتج وعبء على الأجيال المستقبلية وفي واقع الأمر فإن الأجيال المستقبلية سوف تستفيد بشكل أكبر من الجيل الحالي من الاستثمار الحكومي في البنية التحتية وعليه فإنه من المنطقي أن يدفعوا معظم تكاليفها.
إن الغرض الذي من أجله تم تكبد الدين هو مهم، فأزمات الدين هي أكثر ترجيحاً لو تم استخدام الدين من أجل تغطية الإنفاق الجاري ولكن الآن عندما تكون معدلات الفائدة الحقيقية صفر تقريباً أو سالب فإنه سيكون من المثالي للحكومات الاقتراض من أجل الإنفاق الرأسمالي، حيث يتوجب على حاملي السندات عدم الشعور بالقلق بالنسبة للدين لو كان هذا الدين من أجل أحد الأصول الإنتاجية.
إن جميع الحكومات هذه الأيام تستهدف الفائض المالي من أجل سداد الديون، وهذا أمر منطقي ولكن كيفية عمل ذلك مهم، ففي ظروف الإنتعاش الناقص وجمود النمو فإن رفع الضرائب أو خفض الإنفاق على الرعاية هي مقاربة خاطئة فضبط أوضاع المالية العامة يتطلب اتخاذ خطوات نشطة من أجل زيادة نمو الناتج المحلي الأجمالي.
إن السياسة المالية التوسعية هي من المحرمات لأنها تهدد بزيادة الدين الوطني بشكل أكبر ولكن الكثير يعتمد على كيف تقوم الحكومات بعرض حساباتها ففي سنة 2014 كان بنك إنجلترا يحتفظ بما نسبته 24% من دين حكومة المملكة المتحدة ولو خصمنا هذه النسبة فإن نسبة الدين/الناتج المحلي الإجمالي في المملكة المتحدة كانت 63% وليس 92%..
وعليه فإن من المنطقي أكثر التركيز على صافي ديون الاقتراض الحكومي من البنك المركزي. يجب أن تكون الحكومات مستعدة للقول، إنه ليس لديها النية لسداد الدين الذي تدين له لمصلحة البنك الخاص بها. إن التمويل النقدي للإنفاق الحكومي هو أحد تلك الأفكار المحرمة، التي من المؤكد أن تكتسب التأييد لو توقف الإنتعاش الأقتصادي كما هو مرجح.
* عضو في مجلس اللوردات البريطاني وأستاذ فخري للاقتصاد السياسي في جامعة وارويك
