إذا كنت من أولئك الذين يستمدون أغلب أفكارهم حول الحكومة من الخطب التي يلقيها مرشحو الرئاسة الجمهوريون في أميركا، فمن السهل أن تتصور أن حكومة الولايات المتحدة الفيدرالية غير قادرة على القيام بأي شيء على الوجه الصحيح. ولكن لا أظن أن حتى الجمهوريين يصدقون ذلك حقاً.

والدليل تحت السطح مباشرة، حيث ينشأ إجماع لافت للنظر بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول نهج محدد في التعامل مع المشاكل الاجتماعية الأشد خطورة في أميركا ــ بما في ذلك التشرد، واعتياد الإجرام، والتعليم في مرحلة ما قبل المدرسة، والأمراض المزمنة ــ والذي يجمع بين أفضل مبادئ المحافظة والتقدمية.

 وهي الاستراتيجية التي تتكشف تبعاتها اليوم في الولايات الجمهورية مثل يوتا وكنتاكي، والديمقراطية مثل ماساتشوستس وكاليفورنيا، وتعمل الحكومة جزئياً على حفز هذا الاتجاه الذي يعم البلاد. ولكن تنفيذه يجري في الأساس على مستوى المجتمعات المحلية من خلال الشراكات بين الحكومات المحلية، والمنظمات المجتمعية، والجمعيات الخيرية، والمستثمرين الساعين إلى تحقيق الربح.

وتُعَد هذه على نحو ما مشاريع تقوم على الدفع في مقابل النجاح، وهي تصَمَّم أحياناً في هيئة سندات الأثر الاجتماعي ــ عقود رسمية تربط المدفوعات بالنتائج الفِعلية.

ويتولى المستثمرون من القطاع الخاص والمنظمات الخيرية تمويل التكاليف الأولية للمشاريع الرائدة، ولا تدفع الحكومات المحلية أو حكومات الولايات (مع تكميل التمويل أحياناً بالأموال الاتحادية) للمستثمرين إلا إذا أسفر المشروع عن النتائج الموعودة، ورغم أن نموذج الدفع في مقابل النجاح لا يزال وليدا، فإن العشرات من المشاريع تجري الآن.

والواقع أن الولايات المتحدة أصبحت بالفعل السوق الأكبر للمشاريع التي تقوم على مبدأ الدفع في مقابل النجاح على مستوى العالم، مع استثمار أكثر من 100 مليون دولار في مثل هذه الصفقات. وكانت ولاية يوتا من أوائل الرواد، حيث أطلقت مشروعاً تجريبياً جديداً في التعليم ما قبل المدرسي الذي يموله بنك غولدمان ساكس ومؤسسة بريتزكر بنحو 7 ملايين دولار.

كما أطلقت مدينة شيكاغو مشروعاً مماثلاً ولكن على نطاق أكبر بتمويل بلغ نحو 17 مليون دولار، بتمويل مقدم من بعض من نفس المستثمرين كما هي الحال في ولاية يوتا. وقد أنشأت ولاية ماساتشوستس مشروعاً بقيمة 27 مليون دولار لاختبار برنامج للحد من العودة إلى الجريمة بين الأحداث تحت المراقبة.

الواقع أن مشاريع الدفع في مقابل النجاح تمثل خروجاً جذرياً عن الأساليب التقليدية لتمويل الحلول للتحديات الاجتماعية المعقدة. والفارق الأكثر وضوحاً هو أن دافعي الضرائب يتجنبون التكلفة المالية المقدمة المترتبة على تجربة استراتيجيات لم تثبت صحتها.

وتقدم مقاطعة سانتا كلارا في ولاية كاليفورنيا مشروعاً تجريبياً رائداً يهدف إلى الحد من تكلفة دعم الأشخاص المصابين بمرض عقلي حاد. وسوف يحصل 250 شخصاً على الأقل على إسكان مؤقت إلى جانب دعم «الرعاية الفردية المكثفة» والخدمات النفسية.

ويتلخص الهدف في خفض التكاليف العامة من خلال الحد من الاعتماد على المستشفيات المتخصصة في رعاية الحالات الحادة الباهظة التكلفة، وتقليل عدد زيارات غرف الطوارئ، وتجنب عقوبات السجن.

وسوف يتم تقييم فعالية البرنامج بالاستعانة بتجربة تحكم عشوائية تقارن بين بيانات المرضى المشاركين وبيانات غير المشاركين، ويتمثل مفتاح النجاح في أن الحوافز قائمة على النتائج وليس على تدفق الأموال. ويُحكَم على أي برنامج اجتماعي تقليدي عادة من خلال حجم الخدمات المقدمة، مثل عدد الأشخاص المدربين أو المشردين الذين يزودون بالمأوى.

كانت إدارة الرئيس باراك أوباما نشطة للغاية في هذا المجال، وهي الآن تضاعف جهودها. فكان مكتب الإبداع الاجتماعي والمشاركة المدنية التابع للبيت الأبيض يعمل مع مختلف وكالات الحكومة الفيدرالية لحفز الجهود في مجال الدفع في مقابل النجاح في مختلف أنحاء البلاد.

كما قدم صندوق الإبداع الاجتماعي منحاً مماثلة لعشرات الجمعيات التي تعمل عن كثب مع منظمات مثل مختبر سند الأثر الاجتماعي في هارفارد، ورأسمال القطاع الثالث، لتحديد وهيكلة مشاريع الدفع في مقابل النجاح الواعدة. وقد أطلق مختبر سند الأثر الاجتماعي للتو مسابقة لجولة جديدة بقيمة 10.6 ملايين دولار من المنح المماثلة.

وإذا بدت الأهداف الاجتماعية العريضة «ديمقراطية»، فإن الطرق والاستراتيجيات «جمهورية» على أكثر من نحو. فهي تعتمد بشكل كبير على القطاع الخاص، ولكنها تتطلب رغم ذلك تقييماً صارماً، وتحول أغلب العمل الفعلي إلى الولايات والمحليات، ولنسمي هذا «فيدرالية تقدمية».

ويكمن المكون «التقدمي» في التصدي لمشاكل اجتماعية كبرى. أما المكون «الفيدرالي» فيتمثل في إدراك حقيقة مفادها أن الولايات والمجتمعات المحلية هي المصادر الرئيسية للاستراتيجيات الجريئة والفعّالة.

وقد تعاون المشرعون في كل من الحزبين لتقديم مجموعة متنوعة من مشاريع القوانين التي من شأنها أن تشجع تمويل مشاريع الدفع في مقابل النجاح. ومن ناحية أخرى، دفعت إدارة أوباما تغييرين تنظيميين مهمين كفيلان بتحرير المليارات من الدولارات في هيئة رأسمال خاص للاستثمار في مشاريع الأثر الاجتماعي، بما في ذلك خطط الدفع في مقابل النجاح.

يتعامل الأميركيون عموماً بقدر كبير من الحذر والتحفظ مع مبدأ «الحكومة الكبيرة»، ولكنهم يريدون حلولاً لأكبر المشاكل الاجتماعية في بلادهم.

ومن الواضح أن نهج الدفع في مقابل النجاح، الذي يقوم على النتائج ويعتمد على ما نعلم أنه أثبت نجاحه في القطاع الخاص، يوفر فرصة مثالية لاختبار حلول جريئة ومبدعة، والتعرف من خلال عشرات المشاريع المتنافسة على ما قد يحقق النجاح، وتعزيز وتعظيم الأفكار الناجحة.

* الرئيسة السابقة لمجلس رئيس الولايات المتحدة للمستشارين الاقتصاديين، وأستاذ في كلية هاس لإدارة الأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكبيرة مستشاري مجموعة روك كريك

** كبير زملاء معهد بريسيديو، ومدير ماكينزي آند كومباني سابقاً