إن العديد من قرارات السياسة العامة تستند إلى افتراضات ضمنية بشأن "الطبيعة البشرية"، ولقد بات من الشائع الآن أن نتكهن بالكيفية التي ربما عمل بها التطور على تشكيل السلوك الإنساني والنفس البشرية.

يتبنى العلماء في هذا السياق منهجين مختلفين. في أحدهما يرتبون تسلسل الحمض النووي لجينات معينة لدى العديد من الأفراد الذين يعانون أو لا يعانون من ظروف صحية محددة، ثم يبحثون عن الاختلافات بين المجموعتين. وهذا التوجه الجيني يقيس التأثيرات التي تراكمت عبر مئات إلى آلاف الأجيال.

ومن هذا النهج تعلمنا على سبيل المثال أن قدرة البالغين على هضم الحليب تطورت على مدى الأعوام العشرة آلاف الماضية ـ وفي العديد من المرات ـ في ظل الحضارات التي استأنست الأغنام والماعز أو الماشية. كما تعلمنا من دراسات مماثلة أن الحساسية لمقاومة الأمراض مثل الملاريا والجذام تطورت أيضاً على مدى عدة آلاف من السنوات الماضية.

وتبنى علماء آخرون، وأنا منهم، نهجاً آخر. فبدلاً من البحث عن التغيرات في الجينات التي تستغرق عِدة أجيال حتى تتراكم إلى الحد الذي يصبح معه استكشافها ممكنا، قمنا بقياس الانتقاء الطبيعي مباشرة. وهذه الطريقة من الممكن أن تكشف لنا عملية الانتقاء، بالعمل على فترات من الزمن قد لا يتعدى طولها جيلاً واحداً في بعض الأحيان ـ حتى يتسنى لنا الإجابة عن التساؤل عما إذا كانت الثقافة الحديثة قد أوقفت التطور.

والرسالة المستقاة من هذا النهج واضحة أيضاً: فالانتقاء الطبيعي لا يزال يعمل في الثقافات الحديثة. ولا أحد يستطيع أن يجزم ما إذا كان سوف يعمل على نحو منتظم لإحداث تغير جيني كبير، وأجيال المستقبل وحدها القادرة على الإجابة عن هذا التساؤل. ولكن من المثير أن نرى في أي اتجاه بدأ الانتقاء الطبيعي في تشكيلنا. والواقع أن بعض الإجابات كانت مدهشة.

* أستاذ علوم البيئة وعلم الأحياء التطوري في جامعة ييل