ينزلق البنك الدولي بهدوء إلى التفاهة بعدما أخذ دافعو الرسوم يتجهون بشكل متزايد نحو مقرضين آخرين. ولضمان استمرارية البنك الدولي ينبغي على إدارته مراجعة وتبسيط عملية الموافقة على القروض وإبراز خصائصه الإيجابية الفريدة التي تميزه عن المنافسين الآخرين.
في الماضي حصل البنك على ما يكفي من المداخيل ساعدته على الاكتفاء الذاتي. اليوم سرعان ما أصبح يعتمد على الرعاية الاجتماعية. وقد منحت الدول الغنية مساهمات دورية أدت إلى رفع حجم القروض للبلدان الفقيرة، لكن من المحتمل أنها لن تعرف زيادة مستقبلا، وبعضها قد يتوقف بسبب تقديم معونات الجهات المانحة لبرامج اللاجئين.
المشكلة ليست أن الاقتصادات الناشئة لا ترغب في قروض هي في حاجة ماسة إليها لإنجاز البنية التحتية والاستثمارات الأخرى، بل تكمن في كون البنك بطيئاً جداً في عملية معالجة القروض، الشيء الذي دفع الزبائن كثيراً لاعتبار البنك الملاذ الأخير ، بينما البنك التجاري يستغرق ثلاثة أشهر لإعداد وصرف القروض فإن البنك الدولي يستغرق أكثر من عامين.
هناك مؤشر واضح على أداء البنك الدولي البطيء هو أن بعض الحكومات ذات السبق مستعدة لدفع قسط مرتفع لتجنب الانتظار. ويبلغ معدل الفائدة بالنسبة لقرض من البنك الدولي مدته 20 سنة حوالي 4٪، ويمكن للبلدان الأشد فقرا اقتراض بفائدة أقل من 1٪ (قروض المؤسسة الدولية للتنمية).
ومع ذلك، فإن العديد من البلدان تختار أحياناً القروض التجارية أو إصدارات السندات الأكثر تكلفة ، ولا غرابة أن الاقتصادات الناشئة متحمسة بتأسيس دول البريكس لبنك جديد للتنمية وبنك آسيا للاستثمار في البنية التحتية التي تقودها الصين: كلا المؤسستين وعدتا بمنح قروض بشكل أسرع.
إذا كان البنك الدولي يريد البقاء على قيد الحياة، يجب علية تبسيط المسطرة وإصلاح إدارته المعقدة ومراجعة بيروقراطيته غير العملية، وإصلاح ما وصفه التقييم الداخلي خلال أكثر من عشر سنوات ب "التجزيء، والازدواجية، والتأخير" في مجال التصريح والضمانات والعمليات الحسابية.
وفي نفس الوقت يجب على المؤسسة تحديد الدور الخاص الذي تقوم به وحدها. في عام 2013، أعلن البنك عن هدف جديد: القضاء على الفقر المدقع بحلول عام 2030. غير أن هناك عدداً من المؤسسات البنكية التي تسعى أيضا لمعالجة ظاهرة الفقر.
ما يجعل البنك الدولي مميزا هو أنه يتكون من 188 بلداً ويمكن أن يعمل بالنيابة عنهم جميعاً، بدلاً من أن تكون بفضل بلد واحد أو اثنين. وعلاوة على ذلك، فهيكلها المالي يمكنها من استقلالية كبيرة ومن الاكتفاء الذاتي والمرونة أكثر من معظم المؤسسات المتعددة الأطراف. هذه هي السمات التي يجب التأكيد عليها.
في البداية، وضع البنك بشكل فريد للعب دور "البديل" في نظام المعونات الدولية، وليساعد على ضمان تدفق الأموال باعتبار أن معظم البلدان تحتاج إليها. وتمنح الحكومات الكثير من المعونات لكن أغلبها يذهب إلى البلدان المتلقية التي لديها ارتباطات أو علاقات خاصة.
هذه "المساعدات الثنائية" تخضع لأهواء واتجاهات مانحي المعونة، في بعض الأحيان تتدفق المعونات فقط لدعم قطاعات محددة أو لدعم مقاربات معينة. والنتيجة هي أن بعض البلدان تحصل على المزيد من المساعدات أكثر مما هي في حاجة إليها، في حين أن بلدان أخرى لا تحصل على ما يكفي. وحسب الوزارة البريطانية للتنمية الدولية، خمسة من 30 دولة فقط تستحق أكبر حصص المعونة وهي قريبة من المستوى المناسب.
المبدأ الثاني للبنك الدولي يكمن في الحاجة إلى المعونات "لمواجهة التقلبات الدورية". في الوقت الحاضر عندما تصاب الدول الغنية في العالم بالزكام، تواجه البلدان الفقيرة العدوى بصفة مزدوجة: تنخفض الأرباح التجارية وتتوقف المساعدات والاستثمارات من الدول الغنية.
ويؤدي توقف المشاريع أو السياسات إلى التراجع الاقتصادي – مستشفيات لم يكتمل بناؤها، نقص غير متوقع في الإمدادات الطبية وتوقف بناء الجسور. وفي الوقت الذي يقوم فيه البنك بتقييم ممارساته الإدارة والمالية، ينبغي إيجاد مقاربة أكثر وعيا ونجاعة لمواجهة التقلبات الدورية.
ويتمثل المبدأ الثالث للبنك في قدرته على تبادل الخبرات وتطوير وتعزيز المعايير بين الحكومات التي تستفيد من القروض. ولكن في الواقع قد حاول البنك القيام بذلك على نحو فعال دون جدوى. وفي كثير من الأحيان يرفض المقترضون مشورة البنك التي يعتبرونها نظرية وأيديولوجية وبعيدة عن الممارسة والواقع.
ويعلم المسؤولون المحليون عن التنفيذ أنه إذا كانت نصيحة البنك غير عملية، أو لا يمكن تحقيقها، أو إذا كانت معيبة بطريقة ما، فهم، وليس بعض التكنوقراط في واشنطن، الذين سيفقدون وظائفهم (أو الانتخابات المقبلة).
تشير التجربة إلى أن مشورة البنك كي يكون لها تأثير ينبغي أن يعرف الشخص المسؤول البلاد حق المعرفة (ومن الأفضل كمقيم)، وأن يكون خبيرا في القضية المطروحة، وأن يستطيع الحصول على موافقة واشنطن. كبار موظفي البنك المنتشرين في مناطق العالم لفترات طويلة، مثل جيم آدامز في تنزانيا وأوغندا ودافيد دولار في الصين، لهم سجلات حافلة. ومع ذلك، من غير المرجح أن ينجح البنك ككل إذا استمر في محاولة توفير حلول مركزية.
باختصار، تحتاج إدارة البنك الدولي والبلدان الأعضاء إلى العمل معاً لخلق مؤسسة أسرع وأكثر استجابة، تستغل مزاياها الوحيدة لتحقيق التوازن بين تدفق المساعدات وتقديم الدعم لمواجهة التقلبات الدورية وتوجيه المشورة . هذا النهج يمكن أن يعيد ثقة الزبائن الدافعين للرسوم واسترجاع قاعدة الموارد لضمان الاكتفاء الذاتي والوصول إلى العالمية، والاستمرار في لعب دور حيوي لتعزيز النمو والحد من الفقر في البلدان النامية.
* عميد كلية بلافاتنيك للحكم ومدير برنامج الحكامة الاقتصادية العالمية بجامعة أكسفورد
