00
إكسبو 2020 دبي اليوم

بيكيتي ضد بيكيتي

في كتابه «رأس المال في القرن الحادي والعشرين»، يسلط رجل الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي الضوء على التناقضات المذهلة في أميركا الشمالية وأوروبا بين العصر الذهبي الذي سبق الحرب العالمية الأولى والعقود التي تلت الحرب العالمية الثانية.

ففي الفترة الأولى، كان النمو الاقتصادي بطيئا، وكانت الثروة موروثة في أغلب الأمر، وكان الأثرياء يهيمنون على السياسة، وكان التفاوت الاقتصادي (وكذا عدم المساواة بين الجنسين والتمييز العِرقي) شديدا.

ولكن بعد الاضطرابات التي صاحبت الحرب العالمية الثانية، تغير كل شيء. فتسارع نمو الدخل، وأصبحت الثروة مكتسبة (سواء كان اكتسابها مستحقاً أو غير مستحق)، وأصبحت الطبقة المتوسطة مهيمنة على السياسة، وكان التفاوت الاقتصادي متواضعا (حتى وإن ظلت المساواة الجنسية والعِرقية بعيدة المنال).

وبدا الأمر وكأن الغرب دخل عصراً جديدا. ولكن في ثمانينات القرن العشرين بدأت هذه الاتجاهات تتحول بشكل مضطرد عائدة إلى النسق الذي كان سائداً قبل الحرب العالمية الأولى.

وتتلخص فرضية بيكيتي الأساسية في أننا لا ينبغي لنا أن نفاجأ بهذا. ذلك أن ارتدادنا إلى الأنماط الاقتصادية والسياسية التي ميزت العصر الذهبي أمر متوقع مع عودة اقتصادات أميركا الشمالية وأوروبا إلى ما هو طبيعي في مجتمع رأسمالي.

يزعم بيكيتي أنه من الطبيعي في الاقتصاد الرأسمالي أن يكون قسماً كبيراً من الثروة موروثا. ومن الطبيعي أن يكون التوزيع غير متساوٍ إلى حد كبير.

ومن الطبيعي أن تسعى النخبة الثرية بمجرد تشكلها إلى استغلال السلطة السياسية لتشكيل الاقتصاد على النحو الذي يمكن أفرادها من الاستحواذ على قسم كبير من دخل المجتمع. ومن الطبيعي أن يكون النمو الاقتصادي بطيئا، ذلك أن النمو السريع يتطلب التدمير الخلاق، ولأن ثروة الأثرياء هي التي سوف تتدمر، فمن غير المرجح أن يشجعوا النمو السريع.

منذ نَشَر كتابه، أصبحت حجة بيكيتي عُرضة لهجوم شرس. والواقع أن أغلب الانتقادات هزيلة في أفضل تقدير؛ وهي في اعتقادي أقل من أن تكون أعمالاً نقدية فكرية جادة، بل هي أقرب إلى تأملات في السلطة السياسة والاقتصادية الصاعدة للنخبة الثرية، ولكن وسط كل هذا النشاز يشير خطان من هذه الانتقادات إلى أن بيكيتي ربما يكون على خطأ، سواء في ما يتصل بالخصائص الطبيعية التي يتسم بها الاقتصاد الرأسمالي أو الاتجاه الذي ربما نسلكه عندما يتعلق الأمر بالتفاوت وعدم المساواة.

ويُعَد ماتيو روجنلي، طالب الدراسات العليا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بطل الخط الهجومي الأول الحديث، وإن كانت حجته تعود إلى أصل بعيد ومبهر. فبوسعنا أن نجدها في كتاب جون ماينارد كينز المنشور عام 1919 بعنوان «العواقب الاقتصادية للسلام» وكتابه المنشور عام 1936 بعنوان «النظرية العامة في تشغيل العمالة، والفائدة، والمال».

يتفق روجنلي مع بيكيتي (كما كان كينز ليتفق معه) على أن العمل الطبيعي للرأسمالية ينتج الفئة التي تكدس الثروة، والتي تتبنى نتيجة لهذا مسار توزيع حاد القمة. ولكنه لا يتفق معه بشأن ما قد يحدث بعد ذلك. فيزعم روجنلي أن التركيز المتزايد لرأس المال يميل إلى حد ما إلى التصحيح الذاتي، مع ما ينتج عن ذلك من انخفاض أكبر تناسبياً في معدل الربح.

ومن هذا المنظور، ينتج توزيع الثروة غير العادل ما أسماه جون ماينانرد كينز «القتل الرحيم لذوي الأملاك، وبالتالي القتل الرحيم للقوة القَمعية التراكمية التي يكتسبها الرأسمالي والتي تمكنه من استغلال قيمة النُدرة في رأس المال». وتكون النتيجة اقتصادا يتمتع بتوزيع دخل متساو نسبياً ونظام حكم، حيث يتمتع الأثرياء بقوة تصويتية صغيرة نسبيا.

واستجابتي لهذا الخط من التفكير هي «ربما» لا لبس فيها، أما حامل لواء الخط الثاني من الانتقادات فهو بيكيتي ذاته ــ ليس في أي شيء كتبه، بل في الطريقة التي يتصرف بها منذ أصبح من المشاهير والمفكرين.

يشجع كتاب بيكيتي الاستجابة السلبية. فهو يصور القوى التي تدعم تشكيل نخبة ثرية مهيمنة وكأنها عاتية إلى الحد الذي يجعل التصدي لها مستحيلاً إلا في ظل الحروب والثورات العالمية ــ بل وحتى مع توفر مثل هذه الظروف يكون التصحيح مؤقتا.

بيد أن بيكيتي لا يتصرف وكأنه مؤرخ سلبي لمصير محتوم. بل يتصرف وكأنه يعتقد أن القوى التي يصفها في كتابه يمكن مقاومتها. وإذا نظرنا إلى أفعال بيكيتي ــ وليس كتاباته ــ فسوف يتبين لنا بوضوح أنه يؤمن بقدرتنا الجماعية على تقرير مصيرنا بأنفسنا، حتى وإن لم تكن الظروف على هواه أو هوانا.

* أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وباحث مشارك لدى المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية

طباعة Email