إن العديد من قرارات السياسة العامة تستند إلى افتراضات ضمنية بشأن «الطبيعة البشرية»، ولقد بات من الشائع الآن أن نتكهن بالكيفية التي ربما عمل بها التطور على تشكيل السلوك الإنساني والنفس البشرية. ولكن هذا من شأنه أن يثير بعض التساؤلات المهمة: أما زال البشر مستمرين في التطور ـ وإذا كان الأمر كذلك فهل يطرأ أي تغير على طبيعتنا البيولوجية ـ أو هل تسبب الثقافة الحديثة في وقت هذا التطور؟
قد لا نضطر إلى التكهن فيما يتصل ببعض السمات ـ فنحن قادرون على القياس والمقارنة استناداً إلى الدراسات التي تغطي الآلاف من الأفراد على مدى أجيال عِدة. ومثل هذه الدراسات لم تُجرَ بعد على أغلب السمات التي شاعت التكهنات بشأنها، ولكنها أجريت على بعض سمات ذات أهمية طبية. ولكن ماذا تعلمنا من هذه الدراسات؟
يتبنى العلماء في هذا السياق منهجين مختلفين. في أحدهما يرتبون تسلسل الحمض النووي لجينات معينة لدى العديد من الأفراد الذين يعانون أو لا يعانون من ظروف صحية محددة، ثم يبحثون عن الاختلافات بين المجموعتين. وهذا التوجه الجيني يقيس التأثيرات التي تراكمت عبر مئات إلى آلاف الأجيال، والرسالة هنا واضحة: ألا وهي أن البشر تطوروا في هذه الجوانب في وقت متأخر إلى حد ما، وبعضهم تطور في اتجاه والبعض الآخر في اتجاه آخر، اعتماداً على بيئتهم وغير ذلك من الظروف التي واجهوها.
والرسالة المستقاة من هذا النهج واضحة أيضاً: فالانتقاء الطبيعي لا يزال يعمل في الثقافات الحديثة. ولا أحد يستطيع أن يجزم ما إذا كان سوف يعمل على نحو منتظم بالقدر الكافي ولفترة كافية لإحداث تغير جيني كبير، وأجيال المستقبل وحدها القادرة على الإجابة عن هذا التساؤل. ولكن من المثير أن نرى في أي اتجاه بدأ الانتقاء الطبيعي في تشكيلنا. والواقع أن بعض الإجابات كانت مدهشة.
ستيفن سي. ستيرنز* * أستاذ علوم البيئة وعلم الأحياء التطوري في جامعة ييل