إن جادة الشانزليزيه الجميلة مضاءة بملايين الأضواء البراقة وهذا العام تم تشغيلها عن طريق الطاقة المتجددة. لقد كانت هناك توربينة رياح بطول قوس النصر بالإضافة إلى 440 من الألواح الشمسية التي احتلت معظم دوار الشانزليزيه، وفي إحدى الأمسيات خلال مؤتمر تغير المناخ هذا الشهر لم يكن هناك شمس أو رياح وعليه طلب المنظمون من أولئك الذين يتمشون في الجادة تشغيل الأضواء وذلك عن طريق استخدامهم لدراجات هوائية ثابتة وعجلات الهامستر.
إن صور الناس وهم يستخدمون تلك الدراجات الهوائية أعطت الطواقم التلفزيونية الموجودة لتغطية القمة صورا رائعة ولكن دراجات «الطاقة الخضراء» تلك هي في واقع الأمر انتصار للإشارات الفارغة على الجوهر والمنطق وهذا يعكس للأسف ما حصل في قمة تغير المناخ نفسها.
إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في باريس يحتوي على وعود لو تم تطبيقها من الآن وحتى التاريخ المستهدف في سنة 2030 فإنها سوف تكلف الاقتصاد العالمي على الأقل 1 تريليون دولار أميركي سنويا وربما ضعفي ذلك لو قام السياسيون بتبني خيارات غير فعالة فيما يتعلق بالسياسات وهذا سوف يجعل الاتفاق الأغلى على مر التاريخ.
إن الورقة البحثية التي قمت بإعدادها وراجعها نظرائي والتي تم نشرها في مجلة غلوبال بوليسي تظهر أن وعود 2016-2030 من أجل تخفيض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سوف تخفض درجات الحرارة بحلول سنة 2100 بمقدار 0,05 درجة مئوية فقط (0,09 فهرنهايت) وحتى لو استمرت تخفيضات الانبعاثات الموعودة طيلة القرن فإن اتفاق باريس سوف يخفض ارتفاعات درجات الحرارة العالمية بمقدار 0,17 % فقط. لقد كشف علماء معهد ماساشوستس للتقنية عن تخفيض مماثل في درجات الحرارة.
لكن السياسيين يرون ان الحكومات سوف تفعل أكثر من ذلك بكثير فالاتفاق الذي تم التوصل إليه في قمة المناخ ذهب إلى أبعد من المناقشات المستفيضة عن هدف الحد من الزيادة في درجات الحرارة بحيث لا تتجاوز درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الحقبة الصناعية، بل إن هذا الاتفاق ينص على أن الهدف هو الإبقاء على تلك الزيادة «أقل بكثير من 2 درجة مئوية» مع بذل الجهود لأن يكون السقف 1.5 درجة مئوية.
إن الهدف من هذه المسرحية السياسية الساخرة ببساطة هو إقناعنا بأن قادتنا يقومون بإجراءات جدية ولكن لا يوجد بين الممثلين من يتكلم عن تأثير الالتزامات الفعلية والملموسة المتفق عليها في باريس وعوضا عن ذلك فهم يضعون ثقتهم بعمل خارق أي جميع الوعود والتصريحات عن ما سوف يحدث بعد سنة 2030 وحوالي منتصف القرن.
إن الولايات المتحدة الأميركية هي مثال ساطع على خيالية هذه المسرحية. إن من غير المؤكد لو خلف رئيس جمهوري باراك اوباما سنة 2016 ان يتم تحقيق خفض انبعاثات الكربون حتى خلال السنوات الأربع القادمة. إن من السخافة بمكان القول إن الوعود التي تحمل تاريخاً مستحقاً في سنة 2050 سوف يتم الوفاء بها بعد سنة 2030 من الرئيس عندئذ.
إن اتفاق باريس يتضمن تعهدات تتعلق بانبعاثات غاز الدفيئة من دول نامية والتي سوف تحصل بالمقابل على مبالغ نقدية ضخمة من الدول الأكثر ثراء. إن من المؤكد أن الدول الفقيرة سوف تأخذ الأموال وبعض منها سوف يصرف على تخفيض الانبعاثات ولكن الناس الأكثر فقرا في العالم لا يريدون ألواحاً شمسية أو توربينات رياح فهم لديهم احتياجات أكثر أهمية ليس أقلها الطاقة الحديثة وهذا يعني في الغالب زيادة قدرتهم على الوصول إلى الوقود الأحفوري. إن من المرجح أنه بحلول سنة 2030 سوف نعترف ان الكثير من تلك الأموال كان لها تأثير محدود جدا في المساعدة في مكافحة الاحتباس الحراري.
إذن اتفاق باريس هذا مكلف للغاية ولكنه عبارة عن إشارة فارغة وهو يشبه في ذلك الدراجات الهوائية وعجلات الهامستر المبعثرة في الشانزليزيه علما انه عندما شاهدتها وجدت أنها مع توربينة الرياح الضخمة ومئات الألواح الشمسية قد أنتجت 321 كيلو واط من الطاقة في تسعة أيام ولكن إجمالي متطلبات الطاقة لإضاءة الشانزليزيه لتلك الأيام كان أكثر من ذلك بعشرة أضعاف أي 4500 كيلو واط وحتى لو قام 200 من الدراجين المحترفين بالضغط على دواسات الدراجات الهوائية بدون توقف طيلة شهر ديسمبر فإنهم لن يتمكنوا من إنتاج كمية من الكهرباء تكفي لإضاءة عيد الميلاد.
إن الخبر المهم بحق من باريس هو إعلان تأسيس صندوق لابتكارات الطاقة المتجددة بقيادة بيل غيتس. إن هناك حاجة لهذا الصندوق بسبب أنه على الرغم من حجج لوبي الطاقة الخضراء ونشطاء المناخ فإن مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح غير الفعالة والمتقطعة ليست جاهزة بعد لأن تستبدل الوقود الأحفوري فوكالة الطاقة الدولية تقدر بأن العالم دفع 84 مليار دولار أميركي من أجل دعم الطاقة الشمسية وطاقة الرياح العام الماضي وتتوقع انه بعد 25 سنة من الآن سوف نستمر في دفع 84 مليار دولار أميركي على شكل دعم سنوي.
نحن بحاجة لاتخاذ إجراءات أخرى مثل إنهاء الدعم للوقود الأحفوري ولكن السياسة المناخية الأذكى على المدى الطويل هي السياسة التي تصورها غيتس وهي سياسة الاستثمار المكثف في الأبحاث والتنمية من أجل تخفيض السعر المستقبلي للطاقة الخضراء. إن الوعد المقدم من غيتس مع 20 دولة من أجل مضاعفة تمويل الأبحاث والتنمية ليصل إلى 24 مليار دولار أميركي سنويا بحلول سنة 2020 هو تطور رائع وهو بالضبط ما نحتاج إليه ولكن يجب أن ننفق أكثر من ذلك بكثير من أجل تقديم موعد إحراز اختراق في هذا الخصوص.
بيورن لومبورغ*
* أستاذ مساعد في كلية كوبنهاغن للتجارة وهو يدير مركز إجماع كوبنهاغن