كان عام 2015 صعباً بكل المقاييس، فقد تخللته توقعات انخفاض النمو، والهجمات الإرهابية المروعة، وتدفقات اللاجئين، فضلاً عن تحديات سياسية خطيرة، مع صعود النزعة الشعبوية في العديد من البلدان. وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، استمرت الفوضى والعنف في الانتشار، وكانت العواقب وخيمة. ويمثل كل هذا تحولاً مخيباً للآمال بعيداً عن العالم الذي كان قبل بضعة عقود فقط عامراً بالأمل، وإن كان معيباً بلا شك.
لا شك أن النصف الثاني من القرن العشرين كان بعيداً عن الكمال. فحتى عام 1990، كان تهديد الدمار النووي المتبادل هو الذي يؤمن السلام إلى حد كبير. وتسببت الصراعات المحلية، كتلك في كوريا وفيتنام وأجزاء من أفريقيا والشرق الأوسط، في إيقاع خسائر كبيرة. ورغم حصول نحو مئة دولة نامية على استقلالها، فإن هذه العملية لم تكن دوماً سلمية.
ولكن في الوقت نفسه، سجل العالم رغم ذلك نمواً اقتصادياً أسرع من أي وقت مضى. ونشأت طبقة متوسطة قوية في البلدان المتقدمة، ثم بدأت تظهر في أماكن أخرى. وتمكنت الديمقراطيات الغربية واليابان من بناء اقتصادات حيث أدى نمو الإنتاجية إلى الرخاء المشترك؛ وانهمكت الحكومات في التنظيم وإعادة التوزيع، في حين عملت الشركات الخاصة على تغذية النمو بالاستعانة بأساليب إنتاجية متطورة تكنولوجياً، وعلى المستويين الإقليمي والعالمي، تحقق تقدم حاسم في جني الثمار من التجارة والاقتصاديات الضخمة. وبدا مشروع التكامل الأوروبي وكأنه يبشر بنوع جديد من التعاون، والذي قد يمتد إلى مناطق أخرى بل ويؤثر حتى على التعاون العالمي.
ولكن على مدى العقدين المنصرمين، تبددت آمالنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية عِدة مرات. لقد مر على العالم وقت حين كان صناع السياسة في الولايات المتحدة يتساءلون ما إذا كان من الواجب أن تنضم روسيا إلى حلف شمال الأطلسي. واليوم أصبح مجرد التفكير في هذا الاحتمال صعباً للغاية، بعد تدخل روسيا في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم (ويبدو أن هذا كان استجابة للمخاوف من تعميق أوكرانيا لعلاقاتها مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي).
لقد حققت اقتصادات ناشئة عديدة نمواً سريعاً لسنوات ــ بل وحتى عقود ــ الأمر الذي مكن المليارات من البشر من الإفلات من براثن الفقر المدقع وتضييق فجوة الثروة بين البلدان المتقدمة والنامية. ولكن هذا النمو تباطأ بشكل كبير في الآونة الأخيرة، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل ما إذا كان الاقتصاديون قد تعجلوا عندما وصفوا هذه الاقتصادات بأنها المحركات الجديدة للنمو الاقتصادي العالمي.
وعلى نحو مماثل، كان المفترض في الربيع العربي في عام 2011 أن يبشر بمستقبل جديد أكثر ديمقراطية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وفي حين تجنبت تونس الكارثة، فإن أغلب البلدان الأخرى التي تأثرت بالربيع العربي انتهت بها الحال إلى الفوضى، مع تسهيل الحرب الأهلية الوحشية الدائرة في سوريا لصعود تنظيم داعش.
ومن ناحية أخرى، عانى اليورو من أزمة عصيبة. فقد تسببت العملة المشتركة، التي صوِّرَت ذات يوم وكأنها بداية أوروبا شبه الفيدرالية، في إشعال فتيل توترات شديدة بين البلدان «الدائنة» والبلدان «المدينة» عندما واجهت عِدة بلدان مدينة انكماشاً اقتصادياً مطولاً. وعندما بدا الأمر وكأن أوروبا تمكنت أخيراً من الإفلات من أزمة اليورو، بدأت موجات اللاجئين، وخاصة من سوريا، تتدفق كالفيضان. وكان ذلك سبباً في تهديد منطقة الشنغن حيث السفر بلا حدود، ويتساءل البعض الآن ما إذا كان الاتحاد الأوروبي قادراً على الصمود تحت وطأة هذه الضغوط.
وفي الولايات المتحدة، تسببت أزمة اللاجئين السوريين في اندفاع الكونغرس إلى تقييد الدخول بدون تأشيرة للسياح من 38 دولة. ويأتي هذا في وقت حيث تتصاعد فجوة التفاوت في الدخل والثروة إلى عنان السماء في الولايات المتحدة ــ فلم يرتفع الأجر المتوسط للذكور لعقود طويلة ــ الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل ما إذا كان أبناؤهم سيتمكنون من الحفاظ على مستويات المعيشة التي تمتعوا بها. على رأس كل هذا، ولأول مرة منذ عقود، لم يعد نمو التجارة الدولية يتجاوز نمو الناتج العالمي.
ولعل الدافع الأساسي وراء العديد من هذه المشاكل هو سرعة التغيير التي لم يسبق لها مثيل ــ التغيير الذي تحركه العولمة والإبداع التكنولوجي ــ والتي أحدثت من الارتباك الواسع النطاق والمتزايد السرعة قدراً أعظم من أن نتمكن من التعامل معه. على سبيل المثال، برغم أن تكنولوجيا الاتصالات فعلت الأعاجيب، ولنقل في توسيع القدرة على الوصول إلى التمويل في أفريقيا، فإنها مكنت شبكات إرهابية أيضاً من تشفير اتصالاتها بفعالية. وكما أثبتت الأزمة المالية العالمية بشكل صارخ، فإن الهيئات التنظيمية تواجه صعوبة شديدة لمواكبة الإبداع المالي.
الواقع أن إمكانات التقدم البشري لا تزال تبدو هائلة. فالتكنولوجيا تقدم الأمل في التوصل إلى علاجات طبية منقذة للحياة، والإنتاجية الاقتصادية الأعلى، وأنظمة الطاقة المستدامة. ولكن الناس يشعرون بالخوف، كما أظهرت عودة سياسات الهوية، والافتقار إلى الشمول الاقتصادي والسياسي. ونتيجة لهذا، يتباطأ نمو الإنتاجية، ويظل الاستثمار راكداً برغم أن رأس المال يبدو أرخص وتبدو الأرباح وفيرة.
والمفتاح لإدارة كل هذا الارتباك وتهدئة مخاوف الناس هو الحوكمة، ومع اقتراب عام 2016، يتعين علينا أن نركز على تكييف الحوكمة والإدارة، بكل الأبعاد الاقتصادية والسياسية، مع القرن الحادي والعشرين، حتى يتسنى لمواردنا ومعارفنا أن تنتج تقدماً شاملاً، وليس صراعات عنيفة.
* وزير الشؤون الاقتصادية في تركيا سابقاً، والمدير السابق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ونائب رئيس مؤسسة بروكنغز حالياً
كمال درويش*
تكييف الحوكمة بأبعادها الاقتصادية و السياسية
