توصلت قيادات الاقتصادات الكبرى إلى اتفاق مبدئي، على الأقل منذ خريف 2008، على ضرورة اتخاذ إجراء ما في ما يتعلق بالشركات المالية »الأكبر من أن تُفلس«. وكُرِست لهذا الهدف جهودا كبيرة، بما في ذلك اجتماعات دولية وأوراق عمل وبيانات لا تعد ولا تحصى. وفي مطلع هذا الشهر، أعلن مجلس الاستقرار المالي، ومقره بازل، في صخب كبير، اكتمال مرحلة رئيسة في هذا المشروع. بيد أن هذا التصريح يؤكد فقط على ضآلة حجم التقدم الذي أحرز في هذا المجال. فقد ظلت أكبر البنوك العالمية »أكبر من أن تُفلس«، الأمر الذي سيفضي على الأرجح إلى عواقب وخيمة في المستقبل القريب.

والمشكلة المتعلقة بـ »أكبر من أن يُفلس« ليست حديثة العهد، فقد استخدمت هذه العبارة للمرة الأولى في الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن العشرين. ويشار بها إلى أي شركة، عادة من شركات القطاع المالي، قد يفضي إفلاسها إلى تأثيرات سلبية جسيمة على باقي قطاعات النظام المالي وعلى الاقتصاد الحقيقي، أي القطاعات الحقيقية (غير المالية) للاقتصاد.

وقبل سبتمبر 2008، كان هناك بعض الشك في ما إذا كان يجب اعتبار الشركات المالية غير المصرفية »أكبر من أن تُفلس«. وكان بنك بير ستيرنز قد أوشك على الإفلاس في مطلع نفس العام، حتى تدخل بنك الاحتياطي الفيدرالي لتسهيل عملية شراء جي. بي. مورغان تشيس لبنك بير ستيرنز. ولم يكن أداء حاملي أسهم بير ستيرنز طيباً، وسرعان ما غادر الساحة، الكثير من طاقم الإدارة. ورغم ذلك، تم إضفاء حماية كاملة لحقوق المدينين (وفي الحقيقة، كان الدافع الرئيس لتدخل بنك الاحتياطي الفيدرالي، هو ضمان حماية حقوق المدينين).

وحين مُورِست ضغوط شديدة على مؤسسة ليمان بروذرز في سبتمبر 2008، سادت الريبة أوساط الأسواق المالية (وبين كبار مسؤولي مؤسسة ليمان): فربما يقدم بنك الاحتياطي الفيدرالي مرة ثانية يد المساعدة بطريقة ما. ووفقاً لكل التقديرات، نظرت الخزانة الأميركية وبنك الاحتياطي الفيدرالي بالفعل في مسألة تقديم المساعدة، ولكنهما أحجما، خوفاً من اعتبار هذا تجاوزاً لسلطاتهما القانونية، فضلاً عن ثقتهما الشديدة في أن ترك مؤسسة ليمان تُفلس، لن يفضي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد الأكبر.

وتأكد الخطأ المروع لوجهة النظر الثانية، ففي غضون أربعة وعشرين ساعة من إفلاس ليمان، كانت السلطات الأميركية تسعى جاهدة لمنع بيع الأصول بأسعار بخسة، وسحب المودعين لأموالهم من صناديق استثمار أسواق المال، وانهيار بنوك الاستثمار الأخرى (مثل بنك ميريل لينش ومورغان ستانلي وغولدمان ساكس)، بل وحتى زوال البنوك الكبرى المتحدة الكوكبية (مثل سيتي غروب).

وبينما كان المسؤولون والمشرعون، على جانبي الأطلنطي، يستعينون بوابل لا مثيل له من أدوات إطفاء الحرائق المالية، اتضح لديهم أن هذا الوضع لا ينبغي أن يتكرر أبداً. وحالما انطفأت الحرائق، تعهدوا بالعمل الجاد لضمان أن أي »ليمان مقبل«، يمكن السماح بإفلاسه، في إطار حل تديره الحكومة، من شأنه ألا يتسبب في إثارة الفزع وانهيار الائتمان.

وقد تولى هذه المهمة على المستوى العالمي، مجلس الاستقرار المالي، الذي تأسس بعد قمة مجموعة العشرين التي جرت أعمالها في لندن في أبريل 2009. وبعد سنوات طويلة من العمل لصيق الصلة بالسلطات الوطنية الرائدة (بما في ذلك سلطات الولايات المتحدة وأوروبا)، نشر المجلس في 9 نوفمبر، ورقة »إزالة ما تبقى من عقبات أمام إمكانية الحل«، بالإضافة إلى عدد من الأوراق الفنية الأخرى ذات الصلة، ولكن، لسوء الطالع، هناك ثلاثة عيوب في خطة مجلس الاستقرار المالي، ستعرقل تطبيق هذه الخطة تطبيقاً فعالاً على البنوك الكوكبية الكبرى.

أولاً، لأن البنوك الكوكبية، بحكم طبيعة عملها، عابرة للحدود، وليس هناك اتفاق بين السلطات الوطنية المختلفة حول كيفية مواجهة الأزمات. وإذ يمكن القول بتوفر تواصل أفضل الآن مما كان عليه الوضع قبل عام 2008، لكن هذا لا يعني شيئاً يُذكر إذا حلت أوقات عصيبة. فلدى الدول المعنية قواعد قانونية مختلفة، وإجراءات مختلفة لحماية أصولها المحلية، ولديها أيضاً نظم محاكم مختلفة. ويمكن لاتفاقية دولية رئيسة، معالجة كل هذا، بيد أن الآفاق الفورية لظهور مثل هذه الاتفاقية منعدمة.

وثانياً، اقترح مجلس الاستقرار المالي، المطالبة بفرض قدرة استيعاب للخسارة التامة على جميع البنوك الكبرى، بيد أن هذا ليس إلا رطانة للقول بأن على هذه البنوك تمويل نفسها برؤوس أموال المساهمين والديون القابلة لتحمل الخسارة، أي الديون القابلة للتحول إلى أسهم (أو تصفيتها) حين تتوفر عملية رسمية للحل. وكل هذا يعني في الحقيقة، إمكانية انخفاض قيمة بعض الديون انخفاضاً مأساوياً، عندما يسحب المسؤولون الحكوميون زناد بنادقهم.

وثالثاً: فالأمر المهم بالفعل بالنسبة للأنظمة المالية، هو الرسملة السهمية (أي الرأسمال الممكن جمعه من خلال إصدار أسهم)، بما في ذلك حجم رأسمال المساهمين المطلوب من البنوك، والمستويات الحالية لذلك منخفضة للغاية، إذ تشكل الأموال المُستدانة قرابة 95 % من إجمالي مخاطر الائتمان في معظم البنوك الكبرى بالولايات المتحدة (الحصة في البنوك الأوروبية الكبرى أكبر قليلاً)، حتى أن الصدمات السلبية المعتدلة، قد تقضي على أسهم البنوك فعلياً.

والخبر السار هو، أنه يبدو أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يأخذ، على نحو متزايد، هذه النقطة بعين الاعتبار، ويتقدم ببطء صوب فرض متطلبات رأسمالية أعلى على البنوك الكبرى. ولكن فشل أسلوب مجلس الاستقرار المالي العالمي يعني، لسوء الطالع، أن على بنك الاحتياطي الفيدرالي، أن يأخذ على عاتقه، منفرداً، إلى حد بعيد، حل هذه المسألة.

 

* أستاذ بمدرسة سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا