اكتشف خبراء الاقتصاد التجريبي أن الناس قد يضحون بمواردهم لمعاقبة المحتالين والمتسلقين، وأنهم قد يفعلون هذا حتى مع غرباء مجهولين ومن غير الممكن أن يتفاعلوا معهم مرة أخرى أبداً ـ وهو سلوك يطلق عليه "عقوبة الإيثار". والأمر يشتمل على قدر من المتعة أيضاً. فتماماً كما يستحث إعطاء شخص في احتياج استجابة عصبية إيجابية، فإن الأخذ من شخص يستحق ذلك كعقاب يستحث الاستجابة نفسها.

وهذا هو الوجه الآخر للعمل الخيري والإحسان. فنحن لدينا الحافز للتصرف بكرم مع الآخرين المجهولين، ولكننا لدينا الحافز أيضاً لإيقاع الأذى بهؤلاء الذين يعاملون هؤلاء الآخرين المجهولين بالسوء. وهذا من شأنه أن يحرك في أنفسنا دافعاً قوياً إلى التعامل مع الشرور البعيدة من خلال العقوبات، والقصف، والحرب. فنحن نريد لهؤلاء الظالمين أن يعانوا.

والمشكلة التي تطرح نفسها هنا هي أن مشاعرنا الدفينة غير متوافقة على النحو اللائق مع العواقب. فأنماط التبرع الخيري للبلدان الأجنبية ترتبط في أكثر الأحيان بالتقارير الإعلامية البارزة أكثر من ارتباطها باعتبارات فعلية بشأن الأماكن الأكثر احتياجاً للمال. وتظهر النتائج التجريبية أن الناس سوف يستمرون في فرض العقوبة حتى ولو كانوا يدركون تمام الإدراك أن هذا من شأنه أن يزيد الأمور سوءاً.

لقد لعبت التجارب غير المباشرة التي ولدتها المآسي الإغريقية، والمسلسلات التلفزيونية، والتقارير الصحافية، دوراً بالغ الأهمية في توسيع مجال اهتمامنا الأخلاقي. وهناك عامل آخر يتمثل في انتشار الإيديولوجيات، سواء العلمانية أو الدينية، التي تشجعنا على رعاية الآخرين البعيدين عنا، والتي تقنعنا بتوسيع تعاطفنا وكرمنا إلى خارج نطاق دائرتنا المباشرة.

إن توسيع مجال الأخلاق البشرية يشكل تطوراً رائعاً للإنسانية، ولكن هذا التطور سوف يكون أفضل كثيراً لو كان محكوماً بقدر من العقلانية الرزينة الهادئة.

* أستاذ علم النفس بجامعة ييل