في فترة الإعداد لمؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP21) الذي استضافته باريس منذ أيام قليلة، تقدمت أكثر من 150 حكومة بخطط للحد من الانبعاثات الكربونية بحلول عام 2030.
يؤكد الإجماع العلمي أن تثبيت استقرار المناخ يتطلب الإزالة الكاملة للكربون من أنظمة الطاقة التي يتبناها البشر والوصول بصافي الانبعاثات المسببة للانحباس الحراري إلى مستوى الصِفر بحلول عام 2070 تقريباً. وقد أقرت مجموعة الدول السبع الكبرى بأن إزالة الكربون ــ الملاذ الآمن الوحيد من تغير المناخ الكارثي ــ هي الهدف المطلق هذا القرن. كما أعلن العديد من رؤساء الدول من مجموعة العشرين وغيرها من البلدان اعتزامهم ملاحقة هذا المسار.
ورغم أن تقديم أكثر من 150 من المساهمات المعتزمة المحددة على المستوى الوطني يمثل إنجازاً مهماً لمفاوضات المناخ الدولية، يتساءل أغلب الخبراء ما إذا كان مجموع هذه الالتزامات كافياً لإبقاء الانحباس الحراري الكوكبي عند مستوى أدنى من حد الدرجتين المئويتين المتفق عليه.
وهم يناقشون على سبيل المثال ما إذا كانت المساهمات المعتزمة المحددة على المستوى الوطني تعادل مجتمعة خفض الانبعاثات بنحو 25% أو 30% بحلول عام 2030، وما إذا كنا في احتياج إلى خفض الانبعاثات بنسبة 25% أو 30% أو 40% بحلول ذلك الوقت لكي نصبح على المسار الصحيح.
بيد أن المسألة الأكثر أهمية هي ما إذا كانت الدول ستحقق أهدافها بحلول عام 2030 على نحو يساعدها على الوصول إلى مستوى الصِفر من الانبعاثات بحلول عام 2070 (الإزالة الكاملة للكربون).
فإذا كانت الدول تلاحق تدابير لا تهدف إلا إلى خفض الانبعاثات في الأمد القريب، فإنها بذلك تخاطر بحبس اقتصاداتها ضمن مستويات عالية من الانبعاثات بعد عام 2030. فالقضية الحرجة هنا باختصار ليست عام 2030، بل ما قد يحدث بعد ذلك.
ولا يخلو الأمر من أسباب تدعو إلى القلق. فهناك مساران إلى عام 2030. وبوسعنا أن نسمي المسار الأول «إزالة الكربون العميقة»، بمعنى اتخاذ خطوات تستمر إلى عام 2030 وتمهد الطريق إلى خطوات أكثر عمقاً بعد ذلك. ونستطيع أن نسمي المسار الثاني طريق «الثمار الدانية» ــ الطرق السهلة لخفض الانبعاثات بشكل متواضع، وبسرعة، وبتكاليف منخفضة نسبياً. وقد يوفر المسار الأول القليل من الثمار الدانية؛ بل إن الثمار الدانية من الممكن أن تصبح إلهاءً أو ما هو أسوأ.
المشكلة هي أن محطات توليد الطاقة التي تعمل بإحراق الغاز وسيارات الاحتراق الداخلي الأكثر كفاءة لا تقترب حتى من الوصول إلى صافي الانبعاثات صِفر بحلول عام 2070. ولابد من الوصول إلى نحو 50 غراماً لكل كيلو وات/ ساعة بحلول عام 2025 3..
وليس 500 غرام لكل كيلو وات/ ساعة. ويتعين علينا أن نتوصل إلى مَركبات لا تطلق أي انبعاثات غازية على الإطلاق، وليس مركبات تحرق الوقود بقدر أكبر من الكفاءة، خاصة وأن عدد السيارات على مستوى العالم من الممكن أن يتضاعف بسهولة بحلول منتصف القرن.
الواقع أن إزالة الكربون العميقة لا تتطلب استخدام الغاز الطبيعي والمركبات ذات الكفاءة في استخدام الوقود فحسب، بل نحن في احتياج إلى كهرباء ومركبات كهربائية يتم شحنها باستخدام شبكة كهرباء لا تطلق أي انبعاثات كربونية على الإطلاق.
وهذا التحول الأكثر عمقاً، على النقيض من الثمار الدانية التي يتطلع إليها اليوم العديد من الساسة، يعرض علينا المسار الوحيد إلى السلامة المناخية (أي البقاء عند مستوى أدنى من حد الدرجتين المئويتين). وعندما نسعى إلى التحول من الفحم إلى الغاز، أو استخدم مركبات أكثر كفاءة في إحراق الوقود، فإننا بذلك نجازف بإيقاع أنفسنا في فخ الكربون المرتفع.
الواقع أن جاذبية الإصلاح القصير الأمد قوية للغاية، وخاصة بالنسبة للساسة الذين يضعون نصب أعينهم الدورة الانتخابية. بيد أن كل هذا مجرد سراب. ولكي يفهم صناع السياسات ما هو حق على المحك في إزالة الكربون، وبالتالي ما ينبغي لهم أن يفعلوا اليوم لتجنب سبل التحايل ذات النهاية المسدودة والحلول السهلة..
فيتعين على كل الحكومات أن تعكف على إعداد الالتزامات والخطط ليس فقط لعام 2030 بل وأيضاً لعام 2050 على الأقل. وهذه هي الرسالة الأساسية لمشروع مسارات إزالة الكربون العميقة، الذي حشد الفرق البحثية في ست عشرة دولة من أكبر الدول المطلقة للانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري الكوكبي لإعداد مسارات وطنية لإزالة الكربون العميقة لمنتصف القرن.
ويُظهِر مشروع مسارات إزالة الكربون العميقة إن الإزالة العميقة للكربون ممكنة من الناحية الفنية ويسيرة من الناحية المالية، ويحدد المشروع مسارات إلى عام 2050 تتجنب الفخاخ وإغراءات الثمار الدانية وتضع الاقتصادات الكبرى على المسار إلى الإزالة الكاملة للكربون بحلول عام 2070 تقريباً. وتعتمد كل المسارات على ثلاث ركائز: تحقيق تقدم كبير في مجال كفاءة استخدام الطاقة...
واستخدام مواد ذكية وأنظمة ذكية (قائمة على المعلومات)؛ والكهرباء الخالية من الكربون، اعتماداً على أفضل الخيارات لكل دولة، مثل طاقة الرياح، والطاقة الشمسية، والطاقة الحرارية الأرضية، والطاقة المائية، والطاقة النووية، واحتجاز الكربون وتخزينه؛ وتحويل الوقود من محركات الاحتراق الداخلي إلى المركبات الكهربائية وغير ذلك من التحولات لاستخدام الكهرباء أو الوقود الحيوي المتقدم.
* مدير معهد الأرض وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة
** المدير التنفيذي لشبكة حلول التنمية المستدامة
*** مدير مشروع مسارات إزالة الكربون العميقة.


