بعد توقف دام ثلاثين عاماً، يبدو أن التنسيق الدولي لسياسات الاقتصاد الكلي عاد إلى أجندة صُناع السياسات. والسبب مفهوم: فلا يزال النمو هزيلاً في أغلب البلدان، ويخشى كثيرون رفع أسعار الفائدة الوشيك من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. والمؤسف في الأمر أن الأسباب الكامنة وراء تعطل التنسيق لا تزال قائمة.
بدأت الجهود الرامية إلى إحياء التنسيق الدولي في الاستجابة للأزمة المالية العالمية الأخيرة. وقد اكتسبت بلدان الأسواق الناشئة الأكبر حجماً قدراً إضافياً من التمثيل عندما حلت مجموعة العشرين محل مجموعة الدول السبع باعتبارها التجمع الاقتصادي العالمي الأبرز.
ووافق زعماء مجموعة العشرين على السياسات التوسعية المنسقة في قمة لندن في أبريل 2009. ثم اتفقوا في سول عام 2010 على إعطاء بلدان الأسواق الناشئة حصصاً في صندوق النقد الدولي أكثر تناسباً مع ثِقَلها الاقتصادي. (ومن المخزي أن الكونغرس الأميركي لم يمرر التشريعات اللازمة حتى الآن).
ومنذ ذلك الحين كانت أغلب الأصوات المنادية بالتنسيق تبدي الامتعاض والحسرة إزاء اندلاع «حروب العملة»، والمعروفة أيضاً بخفض القيمة التنافسي ــ أو الظاهرة القديمة التي تذكرنا بخفض القيمة الانتقامي في ثلاثينيات القرن العشرين. والآن، كما كانت الحال آنذاك، يخشى كثيرون أن تؤدي محاولة كل البلدان خفض قيمة عملاتها لكسب ميزة تنافسية في التصدير تعزيز اقتصاداتها إلى فشلها جميعاً في تحقيق أهدافها.
وقد انعكس هذا التخوف على سبيل المثال في الشكاوى بشأن تدخل الصين وغيرها من الأسواق الناشئة لمنع ارتفاع قيمة العملة. وعلى نحو مماثل، أسفرت جولات متعاقبة من التيسير الكمي من قِبَل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في الفترة من عام 2009 إلى 2014، وبنك اليابان منذ عام 2013، والبنك المركزي الأوروبي منذ أوائل هذا العام، عن انخفاض قيمة الدولار والين واليورو على التوالي.
وقد قادت الولايات المتحدة بعض المحاولات الدولية لمعالجة خفض القيمة التنافسي، بما في ذلك الاتفاق بين وزراء بلدان مجموعة الدول السبع في فبراير 2013 على الامتناع عن التدخل في أسعار صرف النقد الأجنبي، والاتفاق الجانبي في نوفمبر 2015 على تولي الشراكة عبر المحيط الهادئ معالجة مسألة التلاعب بالعملة. بيد أن المنتقدين يطالبون بشدة بالتوصل إلى اتفاق أقوى ودعمه بالتهديد بالعقوبات التجارية.
تنبئنا محاولات استخدام نظرية الألعاب لتفسير الدعوات المختلفة للتنسيق بالكثير، وإن لم يكن على النحو نفسه الذي افترضه أصحاب هذه النظرية. إذ لا يعتقد اللاعبون عادة أنهم يمارسون اللعبة نفسها. على سبيل المثال، عندما تحث الولايات المتحدة ألمانيا على استخدام التحفيز المالي ـ..
ـ كما فعلت في بون عام 1978، وفي لندن في عام 2009، وفي قمة مجموعة العشرين في بريسبان عام 2014 ــ فإنها تضع في الاعتبار «لعبة القاطرة»، حيث تخلف الحوافز المالية «تأثيرات جانبية» إيجابية على شركائها التجاريين. وسوف تتحسن أحوال الاقتصاد العالمي إذا وافقت الدول الكبرى ــ وكل منها تخشى تنفيذ التوسع المالي بمفردها، خوفاً من تدهور ميزانها التجاري ــ على العمل معاً لانتشاله من الركود وزيادة سرعة نموه.
ويتصور الألمان في المقابل أنهم يمارسون «لعبة الانضباط». فهم يرون أن عجز الموازنة يخلق تأثيرات جانبية سلبية ضارة بالجيران، وذلك نظراً للخطر الأخلاقي المتمثل في عمليات الإنقاذ على سبيل المثال. ويتجسد تصورهم للتوازن التعاوني في «الميثاق المالي» الذي أقره الاتحاد الأوروبي عام 2013، والذي بموجبه اتفق أعضاء اليورو مرة أخرى على قواعد للحد من العجز في موازناتهم.
وكان المثال الأحدث لهذا «الحوار بين الصُم» في أوروبا، في الفترة من يناير إلى يوليو 2015. فقد جلست الحكومة اليونانية شهراً تلو الآخر على أحد جانبي الرقعة في حين جلس شركاؤها في منطقة اليورو على الجانب الآخر، فكان أحدهما يتصور أن اللعبة كانت الداما، في حين تصور الجانب الآخر أنه يمارس لعبة الشطرنج.
ولا تقل التفسيرات تبايناً عندما يتعلق الأمر بالسياسة النقدية. إذ يعتقد البعض أن التوسع النقدي قد يعمل في دولة ما على تحويل الميزان التجاري ضد شركائها بسبب تأثير سعر الصرف؛ ويعتقد آخرون أن أي تأثير سلبي على موازين التجارة تعوض عنه زيادة الإنفاق. ويزعم البعض أن المشكلة تكمن في خفض القيمة التنافسي أو أسعار الفائدة الشديدة الانخفاض؛ ويؤكد آخرون أن المشكلة الحقيقية تكمن في العملات المبالغ في تقدير قيمتها أو أسعار الفائدة الأعلى مما ينبغي.
صحيح أن الاجتماعات الدورية بين المسؤولين قد تكون مفيدة. فالتشاور كفيل بالحد من المفاجآت. وقد يساعد تبادل وجهات النظر في تضييق الاختلافات في المفاهيم. ولكن بعض النداءات الداعية إلى التنسيق الدولي أقل جدوى، وخاصة عندما يكون الهدف هو إلقاء اللوم على الأجانب من أجل تشتيت الانتباه عن القيود والخلافات المحلية.
ولنتأمل هنا المسؤولين البرازيليين الذين صاغوا عبارة «حروب العملة» عام 2010. كان العجز في ميزانية بلادهم كبيراً للغاية، الأمر الذي دفع اقتصادها إلى فرط النشاط. وكان الطلب الخاص ليتعرض للمزاحمة على نحو أو آخر، إن لم يكن عن طريق رفع قيمة العملة، فمن خلال رفع أسعار الفائدة.
ورغم ذلك، وجه المسؤولون أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة وغيرها باعتبارها السبب وراء ارتفاع قيمة الريال. وعلى نحو مماثل، ربما تكون الجهود المتواصلة التي يبذلها ساسة أميركيون لحظر التلاعب بالعملة في الاتفاقات التجارية محاولة للتضحية بالآسيويين ككبش فداء عن ركود الدخل الحقيقي للعمال الأميركيين.
ولعل النصيحة الأمثل التي ينبغي توجيهها إلى المسؤولين هي أن يعملوا على تحسين سياساتهم قبل أن يملوا على الآخرين ماذا يفعلون. وإلا فإن الدعوات المنادية بالتعاون الدولي ربما يكون ضررها أعظم من نفعها.
* أستاذ تكون رأس المال والنمو في جامعة هارفارد

