ذات يوم، نشر الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس قصة قصيرة ــ من فقرة واحدة ــ ربما تكون أفضل دليل إلى المنهج العلمي. ففي قصته وصف أرضاً نائية، حيث حمل الناس هناك علم رسم الخرائط إلى أبعاد متطرفة إلى حد السخف. فكانت خريطة أي إقليم شديدة التفصيل إلى الحد الذي جعلها بحجم مدينة كاملة. وكانت خريطة الإمبراطورية تغطي إقليماً كاملاً.

وبمرور الوقت أصبح رسامو الخرائط أكثر طموحاً: حتى أنهم رسموا خريطة كانت نسخة مطابقة (واحد إلى واحد) من الإمبراطورية بالكامل. وكما لاحظ بورخيس بتهكم، لم تجد الأجيال اللاحقة استخداماً عملياً لتلك الخريطة غير العملية. ولهذا، تُرِكَت الخريطة في الصحراء لكي تبلى ومعها علم الجغرافيا الذي كانت تمثله.

الواقع أن الغرض من قصة بورخيس يظل مستغلقاً على افهام العديد من علماء الاجتماع اليوم: فالفهم يحتاج إلى التبسيط. وأفضل طريقة للاستجابة لتعقيد الحياة الاجتماعية ليست ابتكار نماذج متزايدة التفصيل، بل الانتباه إلى مدى الاختلاف والتباين في عمل الآليات السببية المختلفة، واحدة في كل مرة، ثم التعرف إلى أيها قد تكون الأكثر ملاءمة في سياق بعينه.

الواقع أننا نستخدم خريطة واحدة عندما نقود سيارة من المنزل إلى العمل، وخريطة أخرى إذا كنا مسافرين إلى مدينة أخرى. غير أننا سوف نحتاج إلى نوع آخر من الخرائط إذا كنا نمتطي دراجة، أو كنا على قدمينا، أو كنا نخطط لمسار وسيلة نقل عامة.

إن الإبحار عبر النماذج الاقتصادية المختلفة ــ اختيار الأقرب إلى النجاح بينها ــ أمر أصعب كثيراً من اختيار الخريطة الصحيحة. ويستخدم الممارسون مجموعة متنوعة من الطرق التجريبية الرسمية وغير الرسمية بمهارات متفاوتة. وفي كتابي المقبل «قوانين الاقتصاد»، أتناول بالانتقاد تدريب الاقتصاد لعدم تزويده الطلاب على النحو اللائق بسبل التشخيص التجريبية التي يحتاج إليها هذا الفرع من المعرفة.

داني رودريك *  أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية جون كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد