إذا بحثنا عن خير مثال للأسباب الكامنة وراء الصعوبة الشديدة، التي تواجه كل من يحاول جعل الأسواق المالية تعمل على نحو جيد، فلن نضطر إلى النظر إلى ما هو أبعد من الصعوبات والخلافات والمجادلات المحيطة بقضية التمويل الجماعي في الولايات المتحدة، فبعد مداولات دامت أكثر من ثلاث سنوات، أصدرت هيئة الأوراق المالية والبورصة في الولايات المتحدة الشهر الماضي حكماً نهائياً من شأنه أن يسمح بالتمويل الجماعي الحقيقي؛ غير أن الإطار التنظيمي الجديد يظل قاصراً عن المطلوب لتعزيز التمويل الجماعي في مختلف أنحاء العالم.
يشير التمويل الجماعي الحقيقي، أو تمويل الأسهم الجماعي، إلى أنشطة تزاولها منصات إلكترونية على الإنترنت، تبيع أسهم الشركات البادئة مباشرة إلى أعداد كبيرة من صغار المستثمرين، فتتجاوز بذلك رأس المال الاستثماري التقليدي أو الخدمات المصرفية الاستثمارية. ويشبه هذا المفهوم المزادات على الإنترنت.
الواقع أن المخاطر لا تتمثل في الاحتيال الصريح ــ الأكاذيب الكبيرة التي تمثل جرائم تستحق السجن ــ بقدر ما تكمن في أشكال أكثر دهاء من الخداع. وقد تتمثل في الخداع المفتوح، حيث يوجه المروجون الهواة السذج حول خلل قاتل في خطة العمل، أو يكشفون عنه، ولكن على مضض أو بأحرف طباعية دقيقة، وبوسع هيئة الأوراق المالية والبورصة أن تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فهي قادرة على دفع الوسطاء إلى إنشاء منصة، تلخص سجل المعلقين وسمعتهم.
الواقع أن نجاح النظام المالي ككل يعتمد في نهاية المطاف على الائتمان والثقة، وكل من العاملين شديد العدوى، مثلهما في ذلك كمثل الشك والخوف. لهذا السبب، وإذا كان للتمويل الجماعي أن يحقق كامل إمكاناته على مستوى العالم، فمن الأهمية بمكان أن يُمنَع التصيد الجماعي منذ البداية. وينبغي للقائمين على التنظيم أن يعملوا على تصحيح وتقويم القواعد (ويحسنون صنعاً إذا عجلوا بذلك).
* أستاذ الاقتصاد في جامعة ييل