المبدأ الأول الذي يقوم عليه النظام الديمقراطي يقضي بتأسيس الحكومة على قاعدة من القبول والرضا الشعبيين، حتى ولو كانت الحكومة مؤلفة من أحزاب لم يصوت لصالحها العديد من الناس. ويتضح لنا من الغضب المنتشر في مختلف أنحاء العالم ضد الحكومات المنتخبة أن هذا القبول أصبح بالياً مزعزعاً إلى حدٍ خطير.

ويعمل الشعور بأن العولمة تساعد في تكوين فئات جديدة ممن يملكون وغيرهم ممن لا يملكون على إذكاء نيران أغلب الأشكال الحالية من الشعوبية، بصرف النظر عن الاختلافات الوطنية. وفي الوقت نفسه تستغل التكنولوجيات الجديدة، التي لولاها لما كانت العولمة في حكم الإمكان، لتعبئة الناس وتحريكهم لأسباب شعوبية أيضاً.

النبرة التي تتحدث بها الحركات الشعوبية، سواء في أوروبا أو آسيا أو الولايات المتحدة، قد تشير إلى أن أهل النخبة أقوى مما ينبغي، وأنهم يهيمنون على الضعفاء من الناس العاجزين عن التعبير عن آرائهم بسبب ضجيج الليبراليين وأنصار التعددية الثقافية والمتحذلقين في المدن. وهذا يُعَد شكلاً شائعاً من أشكال جنون الاضطهاد الشعوبي، والذي يروج له في الولايات المتحدة مضيفو البرامج الحوارية في الإذاعة وعلى قناة فوكس التلفزيونية، ويروج له في أوروبا رجال من أمثال وايلدرز.

ولكن هناك طريقة أخرى للنظر إلى ارتفاع موجة الشعوبية في مختلف أنحاء العالم. فالمشكلة الحقيقية التي تعيب النخب التقليدية قد لا تكون الاستحواذ على قدرٍ أعظم مما ينبغي من السلطة، بل قد يكون العكس هو الصحيح. ويرتبط انعدام الثقة في النخب السياسية بتشكك مبرر مفاده أن الحكومات المنتخبة تتمتع بسلطات ضئيلة.

إن الناس يلوذون في أوقات عدم اليقين بالزعامة القوية التي تتمتع بها الشخصيات الكارزمية، التي تعد بالتخلص من الفساد والوقوف إلى جانب الضعفاء في مواجهة الساسة الأنانيين وضد الأجانب الذين يهددوننا بعاداتهم وأديانهم الغريبة. وهذه الأوقات تفرض تهديداً خطيراً على الديمقراطية لأنها تعرض الرضا الشعبي عن الحكومات للخطر.

* أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان بكلية بارد