عندما تحدى حزب العدالة والتنمية في تركيا النقاد واستطلاعات الرأي وفاز بالأغلبية البرلمانية في الانتخابات العامة التي جرت في البلاد بتاريخ 1 نوفمبر،ابتهجت الاسواق المالية وفي اليوم التالي ارتفع سوق اسطنبول للاوراق المالية بأكثر من 5% كما ارتفعت الليره التركية.
لقد حدث هذا على الرغم من صعوبة العثور على أي شخص في الدوائر التجارية أو المالية لديه شيء جيد ليقوله عن رجب طيب اردوغان أو حزب العدالة والتنمية والذي قاده قبل أن يتولى مهام الرئاسة سنة 2014 ولكن على الرغم من ان الرئيس التركي من المفترض أن يكون فوق السياسة الحزبية، إلا أنه لا يزال على رأس الحزب.
إن استراتيجية فرق تسد والتي اتبعها اردوغان - تأجيج الشعبوية الدينية والمشاعر القومية بالاضافة الى تأجيج التوترات العرقية مع الاكراد- هي التي حققت الفوز لحزب العدالة والتنمية وفي واقع الامر فإن هذه الاستراتيجية هي الاستراتيجية الوحيدة التي كان يمكن ان تحقق النجاح فهذا النظام قد أغضب الليبراليين بهجومه على وسائل الإعلام كما أغضب كبار رجال الاعمال بمصادرته للشركات التابعة لحلفائه السابقين ضمن ما يسمى بحركة غولن. لقد أغضب النظام الغرب كذلك باستخدامه لغة المواجهة وموا قفه غير المتجانسة تجاه تنظيم داعش.
على الرغم من ذلك كله فإن الاسواق المالية والتي يبدو انها تهتم كثيرا بالاستقرار رحبت بالنتيجة حيث يبدو ان المستثمرين اعتقدوا أن حكومة أغلبية تتألف من حزب العدالة والتنمية سوف تكون أفضل بكثير من البديل المحتمل: فترة من انعدام الاستقرار السياسي يليها ائتلاف ضعيف ومتردد أو إدارة اقلية ولكن في هذه الحالة كان رأي الناس يفتقد للحكمة.
إن من المؤكد أن تركيا ليست الحالة الوحيدة التي أساءت فيها الاسواق المالية فهم سياسات البلاد فهناك البرازيل والتي تعرضت فيها العملة الوطنية الريال لضغوطات قوية منذ منتصف 2014 أسوأ بكثير من معظم عملات الاسواق الناشئة، وهذا عائد بشكل رئيسي لفضيحة فساد، لقد كشف الادعاء العام عن خطة رشى واسعة النطاق والتي تركزت في شركة النفط المملوكة للدولة بيتروبراس وضمت مدراء تنفيذيين وبرلمانيين ومسؤولين حكوميين وعليه كان من الطبيعي أن تشعر الاسواق المالية بالفزع.
لكن النتيجة الأكثر أهمية للفضيحة هي أنها سلطت الاضواء على القوة الرائعة للمؤسسات القانونية والديمقراطية البرازيلية وليس ضعفها. لقد تم السماح للمدعي العام والقاضي المكلفين بهذه القضية بأداء عملهما على الرغم من الدافع الطبيعي لحكومة الرئيسة ديلما روسيف بإنهاء التحقيق حيث يبدو ان التحقيق يتبع اجراءات قضائية صحيحة ولم يتم استخدامه لتعزيز البرنامج السياسي للمعارضة، وإلى جانب القضاء فإن مجموعة من المؤسسات بما في ذلك الشرطة الفيدرالية ووزارة المالية اشتركت في التحقيق ونسقت مع بعضها البعض. لقد تم سجن كبار رجال الاعمال والسياسيين بما في ذلك مسؤول سابق للخزانة في حزب العمال الحاكم.
إن من المفترض أن تكون الاسواق المالية تقدمية حيث يعتقد العديد من الاقتصاديين انها توزع الموارد بطريقة تعكس جميع المعلومات المتوفرة ولكن مقارنة دقيقة لتجربة البرازيل مع اقتصادات أسواق ناشئة أخرى والتي يعتبر فيها الفساد مشكلة كذلك سوف تؤدي إلى تحسين مكانة البرازيل بين المستثمرين.
لو عدنا إلى تركيا لوجدنا أن التسجيلات المتسربة للأحاديث الهاتفية قد ورطت بشكل مباشر اردوغان وعائلته مع عدة وزراء حكوميين وذلك ضمن حلقة فساد مربحة للغاية، حيث تشير كافة الدلائل الى ان الفساد أكبر وأوسع انتشارا في تركيا مقارنة بالبرازيل، لكن اليوم فإن ضباط الشرطة الذين قادوا تحقيق الفساد ضد اردوغان هم الآن في السجن وبعض وسائل الإعلام التي دعمت التحقيق قد تم إغلاقها والاستيلاء عليها من قبل الحكومة.
يدعي حزب العدالة والتنمية ان ضباط الشرطة هم اتباع حركة غولن وبأنه كان للتحقيق دوافع سياسية تستهدف الاطاحه بأردوغان. ان من المرجح ان كلا الادعاءين صحيحان ولكنهما لا يبرران الانفلات الأمني الواضح والذي استخدمته حكومة حزب العدالة والتنمية في تضييق الخناق على ادعاءات الفساد.إن النتيجة هي ان المؤسسات التركية خلافا لنظيراتها البرازيلية قد تم الاستيلاء عليها وإفسادها لدرجة انها سوف تعيق النمو الاقتصادي والتنمية لسنوات قادمة.
إن تركيا ليست الدولة الوحيدة والتي يستشري فيها الفساد على نطاق واسع ففي ماليزيا كان رئيس الوزراء نجيب رزاق في قلب فضيحة سياسية كبيرة منذ العثور على 700 مليون دولار تقريبا من الاموال التي لم يعرف مصدرها في حساباته البنكية. ان هناك أقاويل بفقدان مليارات الدولارات من صندوق الاستثمار الحكومي 1 م دي بي والذي يقع تحت سيطرة نجيب. لقد وعد نجيب بمساءلة شاملة ولكنه قام بفصل المدعي العام الماليزي والذي كان يحقق في 1 م دي بي.
أما في اميركا اللاتينية فإن الارجنتين والمكسيك تقبعان في النصف الاسفل من الدول في مجال مكافحة الفساد والمحافظة على الشفافية- أقل كثيرا من البرازيل-. ان الاختطاف الدراماتيكي والقتل البشع سنة 2014 لثلاثة وأربعين طالبا شمال مكسيكو سيتي هو أحد الامثلة التي وقعت مؤخرا والتي تدل على التواطؤ بين العصابات الإجرامية والشرطة والسياسيين في ذلك البلد.
نحن ندرك من تجارب مؤلمة بأن التركيز قصير المدى للاسواق المالية وسلوك القطيع عادة ما يقودها إلى تجاهل أساسيات اقتصادية مهمة. يتوجب علينا ألا نتفاجأ بأن الخصائص نفسها يمكن ان تشوه تقدير الاسواق لحكم البلدان وآفاقها السياسية.
* استاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية جون اف كينيدي للادارة الحكومية التابعة لجامعة هارفارد