كانت سوق الأسهم الصينية موضوعاً لمناقشات حامية منذ فصل الصيف، عندما انتهى الارتفاع السريع إلى انهيار كبير أشعل شرارة موجة عالمية من بيع الأسهم بأسعار أقل من قيمتها المحتملة. والسؤال الآن هو ما الذي قد يكون بوسعنا أن نقوم به لمنع المزيد من التقلبات.
تتطلب الإجابة على هذا السؤال تكوين فهم واضح للكيفية التي وصلت بها الصين إلى هذه النقطة. لسنوات عديدة، وبتشجيع من السلطات (أو برضاها على الأقل)، لم تدخر شركات الأوراق المالية في الصين جهداً في ضخ أدوات مالية وممارسات عصرية إلى أسواق البورصة في الصين، بهدف وحيد يتلخص في تحقيق مكاسب رأسمالية من ارتفاع الأسعار (ونادراً ما كان يتم توزيع الأرباح).
نتيجة لهذا، وبعد سنوات من الأداء الهزيل، ارتفع مؤشر شنغهاي المركب بنحو 100% في أقل من سبعة أشهر، من 2505 نقاط في نوفمبر 2014 إلى أكثر من 5178 في يونيو الماضي ــ وهو المستوى الذي لم تبرره الأسس الاقتصادية في الصين.
كان التداول بالهامش هو الأداة الأكثر أهمية التي دفعت هذه الطفرة، والتي مكنت المستثمرين من الاقتراض بكثافة لشراء الأسهم. ووفقاً للخبير الاستراتيجي ديفيد كوي من بنك أوف أميركا، فإن نحو 7.5 تريليونات يوان (1.2 تريليون دولار أميركي) من مواقف السوق كانت تُحمل على الهامش (وهو ما يعادل نحو 13% من رأسمال سوق الأسهم الممتازة، ونحو 34% من رأسمالها المعوم الحر).
ويتلخص جزء من المشكلة في أن التداول بالهامش لم يكن حِكراً على المستثمرين المؤسسيين. فشركات صناديق المناظرة خفيفة التنظيم على سبيل المثال، توزع القروض على الهامش على أي شخص تقريبا، الأمر الذي أفضى إلى 2.3 تريليون يوان في هيئة أموال مناظرة خاصة على الشبكة ونحو تريليون يوان في هيئة أموال مناظرة خاصة خارج الشبكة، مع نسبة استدانة بلغت 5 إلى 1 بالنسبة للأخيرة.
تسببت الطفرة المطولة في منتصف يونيو، في أسعار الأسهم أخيراً في دفع لجنة تنظيم الأوراق المالية المتوترة بالفعل في الصين إلى فرض القيود على مناظرة الأموال الخاصة خارج الشبكة. وسرعان ما أثار القرار عمليات بيع مكثفة، وانخفاض مؤشر شنغهاي المركب بنحو 2% في غضون يوم واحد فقط.
في البداية، بدا الأمر وكأنه تصحيح طبيعي. ولكن انتشار التداول بالهامش أدى إلى تحول الانخفاض إلى هبوط شديد في فترة وجيزة.
في مستهل الأمر، ومع تسبب انخفاض أسعار الأسهم في هبوط صافي الرصيد في حسابات المستثمرين إلى ما دون هامش الوقاية، بدأ السماسرة إصدار طلبات التغطية الهامشية، الأمر الذي اضطر المستثمرين إلى إفراغ المزيد من الأصول للحصول على الأموال النقدية اللازمة. وعندما فشلوا في سداد طلبات التغطية الهامشية في الوقت المحدد، باع السماسرة أسهمهم، الأمر الذي دفع أسعار الأسهم إلى المزيد من الانخفاض.
ثم هرعت السلطات لوقف النزيف. ففي السابع والعشرين من يونيو، قرر بنك الشعب الصيني خفض نسبة متطلبات الاحتياطي وسعر الفائدة الأساسي. ولكن مؤشر شنغهاي المركب استمر في الانخفاض، حتى بلغ 4200 نقطة في الأول من يوليو.
ولكن الإخفاقات السياسية التي غذت هذا الفشل الذريع في سوق الأسهم تعود إلى زمن أبعد، إلى الطفرة الائتمانية الهائلة التي عززتها الحكومة منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية.
ولولا ذلك فما كانت شركات السمسرة لتحصل على كل هذه السيولة للإقراض بغرض التداول على الهامش، وبدلاً من الاعتراف بالتراجع المحتمل في النمو بعد اندلاع الأزمة والتعديل وفقاً لذلك، ظلت الحكومة متشبثة ضمناً بالهدف غير الواقعي المتمثل في نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة 10%.
ينبغي للحكومة الصينية، إذا كان لها أن تمنع دوامة الدين والانكماش من التسبب في هبوط حاد، أن تركز على سياسة مالية توسعية مستهدفة. ومن المؤكد، في ظل عجز في الموازنة لا يتجاوز 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي، أن الصين قادرة على تحمل زيادة الإنفاق الحكومي وخفض الضرائب.
ومن الأهمية بمكان أن يتم تمويل الحزمة بالاستعانة بسندات حكومية تصدرها وزارة المالية، وليس البنوك المركزية عن طريق أدوات تمويل الحكومات المحلية. ولا بد أن يستهدف أي تخفيف لقيود السياسة النقدية ملاءمة السياسة النقدية بشكل مباشر.
وبهذه الطريقة يصبح من الممكن توجيه الموارد المالية إلى الاقتصاد الحقيقي، بدلاً من تضخيم فقاعات الأصول، وينبغي للحكومة الصينية، لدعم هذا الجهد، أن تخفف من قبضتها على سعر الصرف، مع الحفاظ على ضوابط رأس المال المناسبة. ولا ينبغي لهدف تدويل الرنمينبي أن يكون أولوية سياسية.
الحق أن تجربة الصين في السنوات الأخيرة تحمل دروساً قيِّمة لقادة البلاد. فبالاستعانة بنهج أكثر توازناً للتدخل على النحو الذي يعكس هذه الدروس، يصبح بوسعهم أن يضعوا الاقتصاد الصيني على مسار أكثر استقرارا. ولكن برغم أن الصين تخضع لتحول اقتصادي بنيوي، فإن إمكانية تثبيت الاستقرار الكامنة في الاقتصاد الكلي محدودة.
وفي غياب المزيد من الإصلاحات الجوهرية، فإن حتى المزيج الذي لا تشوبه شائبة من سياسات الاقتصاد الكلي لن يحقق النجاح. تستغرق الإصلاحات الوقت بطبيعة الحال، وهذا يعني أن الصين ربما ينبغي لها أن تعد نفسها للمزيد من المتاعب وفترة مطولة من النمو البطيء.
يو يونغ دنغ * الرئيس الأسبق لجمعية الصين للاقتصاد العالمي، ومدير معهد الاقتصاد العالمي والسياسة لدى الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية سابقا، كما خدم في لجنة السياسة النقدية في بنك الشعب الصيني في الفترة من 2004 إلى 2006.
