على مدى السنوات السبعين الماضية، كان النموذج المهيمن في علوم التطور يطلق عليه وصف «التوليفة الجديدة». وتذهب هذه التوليفة الجديدة، التي نُشِرَت على نطاق واسع في الأعوام الأخيرة بواسطة ريتشارد دوكنز عالم الإحياء النشوئي من جامعة أكسفورد، إلى الجمع بين نظرية دارون في الانتقاء الطبيعي وقانون مندل في علم الوراثة، وهو ما يفسر الوراثة.

ولا تعني الأزمة الراهنة التي يمر بها العلم النشوئي الرفض التام لهذا النموذج. بل إنها تستلزم عملية إعادة تنظيم تدريجية كبرى للمعرفة القائمة، من دون تقويض المبادئ الأساسية لنظرية النشوء والارتقاء: فقد تطورت الكائنات الحية اليوم من كائنات حية مختلفة إلى حد كبير في الماضي السحيق؛ وقد تشترك الكائنات الحية المختلفة في أسلاف مشتركة؛ كما لعب الانتقاء الطبيعي دوراً حاسماً في هذه العملية.

وتفترض التوليفة الجديدة فضلاً عن ذلك أن المحركات الرئيسية للتطور هي عبارة عن طفرات صغيرة تتولد بالصدفة ضمن الأنواع. ولكن الأدلة الحديثة تشير إلى أن التغيرات الكبيرة، الناجمة عن استيعاب قطعة من مادة وراثية غريبة، قد تكون على نفس القدر من الأهمية. بل إن استيعاب كائنات حية بالكامل مثل النوعين من البكتيريا اللذين شكَّلا أول خلية حقيقية النوى من الممكن أن يولد تغيرات نشوئية كبيرة وحاسمة.

ومن عجيب المفارقات أنه في حين أدى اكتشاف بنية الحمض النووي ــ وهو الحدث الذي استقبل بقدر عظيم من الامتداح بوصفه الفصل الأخير من انتصار التوليفة الجديدة ــ إلى فهم أفضل لطريقة عمل الجينوم، فإنه انتهى إلى إضعاف الاعتقاد اليقيني بدوره الفريد في توجيه التطور البيولوجي. والواقع أن هؤلاء الذين دأبوا لفترة طويلة على انتقاد إغفال التطور من النماذج النشوئية ــ وهو الانتقاد الذي دام لعقود من الزمان تحت الشعار العلمي للبيولوجيا النشوئية التطورية «إيفو-ديفو»، يعتمد على مجموعة واسعة من الموارد، وجدوا في هذا ما يبرر رؤيتهم.

* أستاذ فلسفة العلوم في جامعة إكستر