كانت القضايا الشديدة الوضوح التي اختار الجميع تجاهلها في الاجتماع السنوي لصندوق النقد والبنك الدوليين في ليما بدولة بيرو متمثلة في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية الذي تقوده الصين وبنك التنمية الجديد (أو «بنك تنمية البريكس»، كما كان يُدعى في الأصل).

فهل تتصرف هاتان المؤسستان الجديدتان كما يتصرف البنك الدولي أو كما يتصرف بنك الاستثمار الأوروبي وهو المؤسسة الأشبه بالبنك تقليدياً؟ وفي المقام الأول من الأهمية، هل يعمل البنكين الجديدين كأداتين لتعزيز ــ أو، على نحو لا يخلو من المفارقة، تقييد ــ مصالح الصين؟

الحقيقة هي أن هاتين المؤسستين لن تكونا من الجهات المقرضة الكبرى على مدى العقد المقبل. ذلك أن المدفوع من رأس المال في كل منهما هو 10 مليارات دولار أميركي؛ لذا فحتى إذا بلغت نسبة رأس مال المساهمين إلى القروض 20% (الأرضية الحالية للبنك الدولي)، فسوف يكون بوسع كل من البنكين إقراض نحو 50 مليار دولار فقط على مدى العقد المقبل ــ وهو ليس بالتغيير الخامل، ولكن من الصعب أن يغير قواعد اللعبة ــ ما لم ينجحا في «حشد» قدر كبير من الاستثمار الخاص.

والأمر المهم حقاً هو أن الأسواق الناشئة الأكبر حجماً تضع قدراً كبيراً من رأس المال في مؤسسات سوف تهيمن عليها الصين ــ وهو ما يشير بوضوح إلى مدى الإحباط الذي أصابها من سلوك البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

إن البنك الدولي أشبه بسفينة قديمة: فعلى مدى عمرها الذي دام سبعة عقود حتى الآن، تراكمت على بدنه كافة أشكال العوالق ــ التراكمات المرتبطة بالميزانية وتكاليف المعاملات ــ فأعاقت سرعته وأداءه بشكل مطرد. ففي العام المالي 2015، قدم بنك الاستثمار الأوروبي قروضاً تتجاوز ضعف الكمية التي قدمها البنك الدولي، ولكن بالاستعانة بسدس الموظفين. وسواء استخدمنا التدفقات (مصاريف القروض) أو رأس المال (القروض القائمة) كمقياس، فسوف نجد أن البنك الدولي يعاني من العمالة الزائدة بشكل كبير وميزانيته الإدارية أعلى كثيراً من نظيرتها لدى بنك الاستثمار الأوروبي.

عندما تأسس البنك، كانت الآلية الحاكمة الرئيسية مجلس إدارة مقيماً يرفع تقاريره إلى مجلس المحافظين ــ وهم عادة من وزراء المالية أو ما يعادلهم من الهيئات الكبرى في البلدان الأعضاء. وبمرور الوقت، تكاثرت المناصب الجديدة مثل منصب المراجعة الداخلية، ومنصب التقييم المستقل، وفريق التفتيش، وكبير مسؤولي الأخلاقيات، ومكتب النزاهة المؤسسية ،وكان أغلب هذا النمو البيروقراطي راجعاً إلى ضغوط من البلدان المتقدمة، والتي تزامنت جهودها مع التجديد الدوري للجمعية الدولية للتنمية (نافذة البنك الدولي للقروض الميسرة).

قبل نحو عشرين عاماً، كان هناك منصب أمين المظالم فضلاً عن محكمة إدارية تابعة للبنك الدولي لمعالجة مظالم الموظفين الداخليين. والآن هناك مجموعة كاملة من «خدمات العدالة الداخلية»: مستشارو محل العمل المحترم، ومكتب الوساطة (ومن المفترض أن يتبعه مكتب التأمل)، ولجان استعراض الأقران، ومكتب الأخلاقيات وسلوكيات العمل، ونيابة رئاسة كاملة لشؤون النزاهة. وفي إعادة صياغة لعبارة الممثل الكوميدي فريد ألن «في صناعة السفن يسمونها العوالق الملتصقة؛ وفي البنك الدولي يلصقون أنفسهم بالمكاتب ويطلق عليهم لقب نواب الرئيس». وبعد إعادة التنظيم الأخيرة، لا يزال باقياً منهم أكثر من عشرين.

ومن ناحية أخرى، تعكس ثقافة النفور الشديد من خوض المجازفات استجابة متعقلة للمنتقدين الذين يحدثون ضجة كبيرة حول فشل أي مشروع أو برنامج. فالمنتقدون الذين يتقبلون فشل المشاريع التجارية بصدر رحب يرون أن البنك شديد الكسل مقارنة بالقطاع الخاص وينتابهم سخط شديد عندما تفشل مشاريعه. ولكن بدلاً من الاحتجاج بأن المخاطرة جزء جوهري من التنمية الاقتصادية وتطوير محفظة استثمارية متوازنة المخاطر من المشاريع (والقروض المسعرة وفقاً لذلك)، يتظاهر البنك بأنه معصوم من الخطأ. ونتيجة لهذا، أصبح الأفضل عدواً للجيد.

وكان العزوف عن المخاطرة مصاحباً بأولويات مؤسسية منحرفة، كما يتضح من ميزانية البنك. ففي العام المالي 2015، تم تخصيص 623 مليون دولار لغرض «إشراك العميل»، في حين ذهب ما يعادل هذا المبلغ مرة ونصف، أو 931.6 مليون دولار، إلى «الحوكمة والإدارة المؤسسية» (أما مبلغ الـ600 مليون المتبقي، لغرض «إدارة البرامج والممارسات»، فهو مخصص ظاهرياً لدعم عمليات الإقراض). وكانت مصروفات مجلس الإدارة التنفيذي وحده نحو 87 مليون دولار. ويعلن البنك على الملأ عن فضائل البحوث ــ ثم ينفق بنفس القدر تقريباً ــ 44 مليون دولار ــ على «العلاقات الخارجية والشركاتية».

الواقع أن العديد من التحديات التي تواجه البنك الدولي تأتي من الضغوط المفروضة عليه من قِبَل المساهمين الأكبر حجماً فيه. ولأنهم يرفضون التخلي عن السلطة للمساهمين الأصغر حجماً، أو السماح بزيادة كبيرة في الموارد لتلبية الاحتياجات العالمية الأكبر كثيراً، فلم يعد أمام الاقتصادات الناشئة أي خيار غير إنشاء مؤسسات خاصة بها.

لن يختفي البنك الدولي؛ فهناك العديد من المصالح الخاصة (بما في ذلك دوائر الأكاديميين والمنظمات غير الحكومية) الحريصة على الحصول على حصة من أموال الآخرين. ولكن أداء البنك الدولي يلخص كيف من الممكن أن تعاني حتى السفن الجيدة التصميم من التباطؤ نتيجة لتراكم العوالق، إلى أن يصبح من المحتم أن تفسح الطريق أمام السفن الأحدث.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا