إن القوى التي دفعت نمو المدن الأوروبية ومدن أميركا الشمالية في القرنين التاسع عشر والعشرين هي ذاتها التي تدفع التحضر اليوم في البرازيل والصين والهند والمكسيك وروسيا وغيرها من بلدان الأسواق الناشئة. ولأن نمو هذه المدن كان متسارعاً ومضخماً بفعل التكنولوجيات الإنتاجية، والهجرات الداخلية السريعة، ومعدلات التكاثر الصافية المرتفعة، فإن العديد منها بلغ أحجاماً غير مسبوقة وبسرعة مبهرة. والواقع أن كل المدن العشرين الأكبر في العالم تقع في أسواق ناشئة باستثناء ثلاث مدن.
وتشير العديد من التوقعات إلى أن اقتصاد الأسواق الناشئة الأربع الأضخم حجماً سوف يتفوق بحلول عام 2030 على اقتصاد مجموعة الدول السبع الكبرى مجتمعة، وبحلول عام 2050 فإن اقتصاد الأسواق الناشئة اليوم سوف يمثل أكثر من نصف الاقتصاد العالمي، بل إن هذه الدول سوف تمثل أيضاً حصة أكبر من تعداد سكان العالم. وتفترض كل هذه التوقعات أن النمو الاقتصادي سوف يتولد في المدن.
إن النمو الحضري في بلدان الأسواق الناشئة ـ والتركيزات المقابلة له من الفقر ـ كان يشكل دوماً تحدياً لقدرة الحكومات على توفير الإسكان المدعوم، وإمدادات المياه والصرف الصحي، وخدمات إدارة النفايات الصلبة، والتعليم ـ وكل هذا يؤثر بشكل مباشر على الصحة في المناطق الحضرية ـ فضلاً عن خدمات الرعاية الصحية الأساسية. ولمواجهة هذه القضايا فيتعين على مدن الأسواق الناشئة أن تمارس التخطيط الاستباقي، استناداً إلى توقعات ديموغرافية واقعية.
إذا كان للمدن أن تدفع بلدان الأسواق الناشئة نحو مستقبل أفضل، فإن الحكومات لابد وأن تضمن تماشي الإسكان الحضري والبنية الأساسية والخدمات مع الطلب. فمن المؤكد أن البيئة المواتية للاستثمار تتطلب وجود بالغين يتمتعون بالقدر الكافي من الصحة واللياقة للعمل، وأطفالاً قادرين على التعلم. وفي نهاية المطاف، سوف تتوقف الصحة الاقتصادية لبلدان الأسواق الناشئة على إعادة اختراع الصحة العامة في المناطق الحضرية.
* وزير المالية البرازيلي السابق ومحافظ البنك المركزي البرازيلي