لم يكن هناك أي نقص في استقراء واستقصاء ما يعتزم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القيام به في سوريا ولماذا. غير أن قدراً كبيراً من التحليل كان يركز بشكل ضيق على الأمد القريب وربما كان مفرطاً في السلبية في تقييم العواقب المحتملة لأفعاله في الأمد البعيد.

ما نعرفه هو أن بوتين قرر إنقاذ نظام بشار الأسد المحاصر من كل جهة. فالآن تنهمر القنابل والصواريخ الروسية على مجموعة من التنظيمات المسلحة التي تقاتل قوات الحكومة السورية، الأمر الذي أعطى النظام المتنفس الذي كان المقصود من التدخل الروسي أن يقدمه، ولكن بقدر سوء حكومة الأسد، وبقدر جسامة الجرائم التي يتعين عليها أن تتحمل المسؤولية عنها، فإن هذه النتيجة، كما يزعم البعض، أفضل في الأمد القريب من انهيار النظام.

فالحقيقة المؤلمة في سوريا اليوم هي أن انهيار الحكومة من شأنه أن يؤدي في الأرجح إلى إبادة جماعية، وملايين أخرى من النازحين، فضلاً عن إقامة خلافة الدولة الإسلامية المزعومة في دمشق.

ربما تكون دوافع بوتين مسألة متروكة للتكهنات، ولكن من الواضح أنه لا يريد أن يرى حليف روسيا الدائم في الشرق الأوسط وقد انهار. وهو فضلاً عن ذلك لا يفوت الفرصة أبداً لتذكير العالم بأن روسيا تظل قوة كبرى قادرة وراغبة في التحرك دفاعاً عن مصالحها المتصورة. ومن المحتمل أيضاً أن يكون المقصد من مساعيه هذه صرف الانتباه في الداخل عن الاقتصاد المنكمش وارتفاع تكلفة التدخل في أوكرانيا. ويشير ارتفاع مستويات الرضا الشعبي عن أدائه إلى أنه ربما ينجح في تحقيق مبتغاه.

يخشى كثيرون أن لا يكون نشاط سوريا الأخير سبباً في إطالة أمد الحرب الأهلية الوحشية في سوريا فحسب، بل وأيضاً تعزيز مركز تنظيم داعش. ولعل هذا التخوف في محله، لأن كراهية نظام الأسد تُعَد أداة رئيسية للتجنيد. وحتى وقتنا هذا على الأقل، يبدو أن تنظيم داعش يشكل أولوية ثانوية على أجندة المؤسسة العسكرية الروسية، التي يبدو أنها تهاجم في المقام الأول جماعات أخرى مناهضة للأسد.

الواقع أن بعض التقارير تؤكد أن تنظيم داعش يتحرك إلى مناطق هجرها آخرون في أعقاب هجمات روسية. ويبدو أن روسيا تمارس اللعبة الهازئة نفسها التي يمارسها الأسد: تصوير الحرب وكأنها اختيار ثنائي بين داعش والنظام الحاكم الذي برغم عيوبه لا يزال يستحق دعم العالم.

ويخشى البعض أيضاً أن يكون استعراض روسيا لقوتها على هذا النحو نذيراً بانطلاق موجة جديدة من التدخلات المماثلة، بل وربما اندلاع حرب باردة جديدة. ولكن هذا غير وارد وغير مرجح، وخاصة مع افتقار روسيا إلى الوسائل الاقتصادية والعسكرية اللازمة لدعم مثل هذه الجهود على جبهات متعددة. وليس من الواضح أيضاً ما إذا كان الشعب الروسي على استعداد لتكبد الثمن الباهظ المترتب على هذه السياسة الخارجية.

الأمر كله يرجع إذن إلى بوتين، الذي يتمتع بدرجة غير مسبوقة منذ عهد ستالين من الاستقلالية في صنع القرار في الكرملين. ومن المعروف عن بوتين أنه مولع بفنون الدفاع عن النفس والقتال، وتأتي تصرفاته في سوريا متسقة تماماً مع الكثير من مبادئ هذه الفنون، بما في ذلك أهمية استخدام القوة الحاسمة لتحييد مواطن قوة الخصم واستغلال نقاط ضعفه.

بيد أن القوة ليست بلا حدود. فتدخل روسيا في سوريا من غير الممكن أن ينجح إذا كان تعريف النجاح هو تمكين حكومة الأسد من استعادة السيطرة على القسم الأكبر من أراضي البلاد. وأقصى ما قد تتمكن سياسة بوتين من تحقيقه هو إقامة جيب آمن نسبياً، وحتى هذا الهدف المتواضع سوف يكون باهظ التكلفة، لأن تنظيم داعش هو أيضاً يكتسب المزيد من القوة. وقد يكون باهظ التكلفة بالنسبة لروسيا ذاتها: فهي مسألة وقت فقط قبل أن تقع التفجيرات الانتحارية (مثل الهجوم الأخير في أنقرة) في موسكو.

والسؤال الحقيقي إذن هو ما إذا كان بوتين يرى أن دعم حكومة الأسد غاية في حد ذاته أو وسيلة لتحقيق غاية. إذا كان الأمر الأخير صحيحاً ــ أي إذا كان بوتين يفكر كما يفكر لاعب الشطرنج، وهي اللعبة المفضلة بين كثير من الروس، ويخطط لنقلات عدة مسبقاً ــ فإن العملية الدبلوماسية التي تقضي باستبعاد الأسد عند مرحلة ما تصبح في حكم الممكن. وربما تدعم روسيا مثل هذه العملية؛ ذلك أن بوتين في نهاية المطاف معروف بحساسيته العاطفية. والواقع أنه قد يتبنى العملية السياسية التي تمكنه من إثبات دور روسيا المركزي في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط.

ومن ناحية أخرى، يتعين على الولايات المتحدة وغيرها من القوى أن تلاحق سياسة ذات مسارين. يتمثل أحد المسارين في توجيه الخطوات الرامية إلى تحسين ميزان القوى على الأرض في سوريا. وهذا يعني بذل المزيد من الجهد لمساعدة الأكراد وانتقاء القبائل السُنّية، فضلاً عن الاستمرار في شن الهجمات على تنظيم داعش من الجو.

ولابد أن تنشأ جيوب آمنة نسبياً نتيجة لهذه الجهود. فسوريا التي تتألف من جيوب أو مقاطعات ربما تكون النتيجة المحتملة الأفضل في الوقت الراهن والمستقبل المنظور. ذلك أن استعادة حكومة سورية تسيطر على مناطق البلاد كافة لا يصب في المصلحة الوطنية الحيوية للولايات المتحدة أو أي جهة أخرى؛ بل تتلخص الضرورة الأساسية الآن في دحر تنظيم داعش والجماعات المماثلة.

أما المسار الثاني فهو يتألف من العملية السياسية التي بموجبها تظل الولايات المتحدة وحكومات أخرى منفتحة على المشاركة الروسية (بل وحتى الإيرانية). ويتمثل الهدف في تيسير عملية الإطاحة بالأسد من السلطة وتشكيل حكومة جديدة تتمتع بدعم قاعدته العلوية كحد أدنى، وبعض السُنّة في الوضع الأمثل.

الواقع أن مثل هذه العملية ربما تضفي على بوتين بعض الهيبة. وهو ثمن يستحق أن نتحمله إذا ساهم في خلق ديناميكية تعمل بمرور الوقت على التخفيف من معاناة الشعب السوري والحد من المخاطر التي يفرضها تنظيم داعش.

* رئيس مجلس العلاقات الخارجية