قبل عشرين عاماً تفكك الاتحاد السوفييتي، وهو الحدث الذي يمثل بالنسبة للعديد من المؤرخين النهاية الحقيقية «للقرن العشرين القصير» ــ القرن الذي اتسم منذ بداية عام 1914 بالصراعات الإيديولوجية المطولة بين الشيوعية والفاشية والديمقراطية الليبرالية، إلى أن بدا الأمر وكأن الديمقراطية الليبرالية خرجت من هذه الصراعات منتصرة.
ولكن شيئاً غريباً حدث على الطريق إلى نهاية التاريخ: يبدو الأمر وكأننا نبذل قصارى جهدنا لكي نتعلم من الماضي القريب، ولكننا في واقع الأمر محيرون تماماً إزاء الدروس التي يتعين علينا أن نستوعبها.
من الواضح أن كل التاريخ هو في واقع الأمر تاريخ معاصر، والدروس التي يتعين على الأوروبيين بشكل خاص أن يستوعبوها اليوم من القرن العشرين تتعلق بالمدى الذي بلغه التطرف الأيديولوجي الفكري في العصور المظلمة من قوة ــ والطبيعة الخاصة التي اتسمت بها الديمقراطية الأوروبية منذ بنائها في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
تبدو الصراعات الأيديولوجية الكبرى من بعض النواحي، في القرن العشرين الآن قريبة ووثيقة الصلة بقدر أهمية المناقشات الأكاديمية في العصور الوسطى ــ وخاصة في نظر الأجيال الشابة.
فمن يفهم الآن ولو من بعيد ــ ناهيك عن تحمل عناء محاولة الفهم ــ الأعمال السياسية الكبرى لمفكرين من أمثال آرثر كوستلر وفيكتور سيرغ، الذين خاطروا بحياتهم لمناصرة الشيوعية، ثم لمهاجمتها؟ يتعين علينا في المقام الأول من الأهمية، أن نكف عن استعراض القرن العشرين وكأنه فترة تاريخية فاصلة حافلة بتجارب مَرَضية أدارها مفكرون وساسة مخبولون، وكأن الديمقراطية الليبرالية كانت قائمة قبل هذه التجارب وأن الأمر لم يكن يتطلب سوى إحيائها بعد فشل تلك التجارب.
ولكن تظل الحقيقة الواضحة هي أن العديد من الناس، وليس أنصار الأيديولوجيات فحسب، علقوا آمالهم على التجارب الاستبدادية والشمولية في القرن العشرين، ونظروا إلى ساسة من أمثال موسيليني بل وحتى ستالين باعتبارهم أشخاصاً قادرين على حل المشكلات، في حين استبعدوا الديمقراطيين الليبراليين باعتبارهم ساسة فاشلين.
* محاضر بجامعة برينستون