إن الاتفاق بين المفاوضين من 12 دولة مطلة على المحيط الهادئ بشأن الشراكة عبر المحيط الهادئ يمثل انتصاراً على خلافات طال أمدها. فكان إبرام الاتفاق يستلزم التغلب على عقبات سياسية هائلة على المستويين المحلي والدولي. والآن ينبغي لمنتقدي التصديق على الشراكة عبر المحيط الهادئ، وخاصة في الولايات المتحدة، أن يحاولوا قراءة الاتفاق بعقل منفتح.

الواقع أن العديد من القضايا المحيطة بالشراكة عبر المحيط الهادئ كانت لا تخرج عن إطار اليسار في مقابل اليمين، على الأقل من المنظور السياسي الأميركي. وينطوي عداء اليسار الدائم للاتفاق ــ والذي يستند غالباً إلى أساس مفاده أن محتوياته أثناء المفاوضات كانت محجوبة عن الكونغرس الأميركي ــ على خطرين واضحين. فكان من المحتمل أن تتعرقل جهود تستحق العناء، أو كانت إدارة الرئيس باراك أوباما الديمقراطية لتضطر إلى التعامل بشكل أكثر سخاءً مع الشركات الأميركية، من أجل جمع الأصوات اللازمة من الجهوريين، وعلى هذه الخلفية، تشكل الشراكة عبر المحيط الهادئ مفاجأة سارة. ذلك أن الاتفاق يعطي شركات الأدوية، وشركات التبغ، وغير ذلك من الشركات أقل كثيراً مما تطلب ــ إلى الحد الذي دفع السيناتور الأميركي أورين هاتش وبعض الجمهوريين الآخرين الآن إلى التهديد بمعارضة التصديق. وعلى نحو مماثل، يعطي الاتفاق حماة البيئة أكثر مما كلفوا أنفسهم عناء المطالبة به.

الواقع أن القضايا الأكثر إثارة للجدال في الولايات المتحدة هي تلك التي تصنف أحياناً تحت بند »التكامل العميق«، لأنها تذهب إلى ما هو أبعد من التيسير التقليدي للتعريفات والحصص التجارية. كانت مخاوف اليسار بشأن العمل والبيئة مصحوبة بمخاوف أخرى بشأن الفوائد المفرطة التي ستعود على الشركات: حماية الملكية الفكرية لشركات الأدوية وغيرها من الشركات، والآليات المستخدمة لتسوية المنازعات بين المستثمرين والدول.

ما الذي تحتوي عليه بالضبط إذن الصيغة النهائية للشراكة عبر المحيط الهادئ؟ من بين المظاهر البيئية، يبرز اثنان. فالاتفاق يشمل خطوات ملموسة لفرض أشكال الحظر الواردة في اتفاقية التجارة الدولية بشأن الأنواع المهددة بالانقراض. ويتخذ اتفاق الشراكة أيضاً خطوات ملموسة للحد من إعانات دعم أساطيل صيد الأسماك ــ والتي تهدر في العديد من البلدان أموال دافعي الضرائب وتعجل بنضوب الحياة البحرية. وللمرة الأولى، كما يبدو، سوف تكون التدابير البيئية مدعومة بعقوبات تجارية.

وأتمنى لو تكرس جماعات بيئية معينة نصف ما أنفقته من الوقت والطاقة في التأكيد على إمكانية الوصول إلى مثل هذه النتائج الطيبة كما فعلوا في إداناتهم الساحقة لعملية التفاوض. فمن الواضح أن المنتقدين كانوا أكثر انشغالاً من أن يلاحظوا عندما تم التوصل إلى اتفاق بشأن إعانات دعم صيد الأسماك في ماوي في شهر يوليو. ولكن لم يفت الأوان بعد للحاق حماة البيئة بالركب، وعلى نحو مماثل، تتسم فقرات عديدة في مجال ممارسات العمل، وخاصة في جنوب شرق آسيا، بالتقدمية. ويشمل هذا تدابير تهدف إلى تعزيز الحقوق النقابية في فيتنام فضلاً عن خطوات لشن حملة صارمة ضد الإتجار بالبشر في ماليزيا.

ولعل القدر الأعظم من عدم اليقين يتعلق بمدى تمكن الشركات الأميركية الضخمة من الحصول على مجالات مثل تسوية المنازعات بين المستثمر والحكومة وحماية الملكية الفكرية. كثيراً ما أهمل منتقدو الشراكة عبر المحيط الهادئ الإقرار بأن آليات تسوية المنازعات الدولية قد تخدم أي غرض سليم، أو أن درجة ما من حماية براءات الاختراع مطلوبة إذا كان لشركات الأدوية أن تجد الحافز الكافي للاستثمار في البحث والتطوير، وكان هناك بطبيعة الحال الخطر المتمثل في أن تذهب تدابير حماية الشركات إلى ما هو أبعد مما ينبغي.

وعلى نحو مماثل، ربما أنشأت سبل حماية الملكية الفكرية احتكاراً لمدة 12 عاماً للبيانات التي تجمعها شركات الأدوية والتكنولوجيا الحيوية الأميركية حول العقاقير الجديدة (وخاصة البيولوجية)، وبالتالي تعوق المنافسة من جانب النسخ السائبة الأقل تكلفة. في النهاية، لم تحصل هذه الشركات على كل ما تريد؛ فبرغم أن الشراكة عبر المحيط الهادئ تعطيها في بعض النواحي قدراً من الحماية لملكياتها الفكرية أكبر مما كانت تحصل عليه من ذي قبل، فإنها تضمن حماية بياناتها لمدة تتراوح بين خمس إلى ثماني سنوات.

لا ينبغي للتركيز على مناطق جديدة من التكامل العميق أن يحجب فوائد التجارة الحرة العتيقة الطراز والتي تشكل أيضاً جزءاً من الشراكة عبر المحيط الهادئ: خفض الآلاف من الحواجز الجمركية وغير الجمركية القائمة. وسوف يؤثر التحرير على قطاعات التصنيع مثل صناعة السيارات، فضلاً عن الخدمات، بما في ذلك الإنترنت. ويشكل تحرير الزراعة ــ التي كانت لفترة طويلة معقلاً عنيداً في مفاوضات التجارة الدولية ــ أهمية بالغة. فقد وافقت بعض البلدان مثل اليابان على السماح بدخول المزيد من منتجات الألبان، والسكر، واللحم البقري، والأرز من المنتجين الأكثر كفاءة في بلدان مثل نيوزيلندا وأستراليا. وفي كل هذه المناطق وغيرها، تنطبق الحجج التي تسوقها الكتب الأكاديمية التقليدية بشأن مكاسب التجارة: فتوفر فرص تصديرية جديدة يؤدي إلى ارتفاع الأجور وخفض تكاليف المعيشة.

من الواضح أن العديد من المواطنين والساسة قرروا بشأن الشراكة عبر المحيط الهادئ قبل فترة طويلة، استناداً إلى انتقادات تبدو مدمرة لكل ما قد تسفر عنه المفاوضات. والآن يتعين عليهم أن ينظروا إلى النتائج بعقل منفتح. فقد يتبين لهم أن أسوأ مخاوفهم وكوابيسهم تبددت تحت ضوء النهار.

 

* أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد