أصبح التركيز اليوم على حالة الاقتصاد الصيني، وتوقيت تطبيع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لأسعار الفائدة، والسياسات المتباينة الخاضعة للمناقشة في حملة الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، ولكن الصدمات الأكثر إضراراً كثيراً ما تكون مستترة رغم كونها على مرأى من الجميع ــ ثم تضرب ضربتها على وجه التحديد عندما يتصور الجميع أن الغَلَبة سوف تكون للاستقرار. ومن بين هذه المخاطر أن يؤدي التحزب السياسي إلى إرباك وتعطيل الموارد المالية لدى حكومة الولايات المتحدة الفيدرالية مرة أخرى، وبالتالي إضعاف الاقتصاد الأميركي وتعكير صفو الأسواق المالية العالمية.
قد يبدو هذا التحذير غريبا. ذلك أن آخر معركة حزبية كبرى (في 2013) والتي دارت رحاها حول تمويل الحكومة ورفع سقف الديون لم تَعُد بفائدة تُذكَر على الجمهوريين أين أشعلوا شرارتها ــ بخلاف الضرر الكبير الذي لحق بسمعتهم في ما يتصل بتحمل المسؤولية. والواقع أن القيادات الجمهورية الحالية، الحريصة على تعزيز فرص حزبها الانتخابية في عام 2016، ترغب بشدة في إبراز صورة من الحس السليم الرصين.
ولكن يبدو أن مواجهة كبرى مزعزعة للاستقرار حول الموارد المالية العامة أصبحت حتمية الآن، وخاصة في أعقاب الإعلان المفاجئ من قِبَل رئيس مجلس النواب جون بوينر عن اعتزامه تقديم استقالته من منصبه ومقعده في الكونغرس بحلول نهاية أكتوبر. ولكي نتعرف على السبب، فما علينا إلا أن ننظر إلى لجنة السبل والوسائل في مجلس النواب، والتي يتولى رئيسها الحالي بول ريان زعامة المتمردين الجمهوريين المتشددين الذين سخروا من بوينر لأنه راغب بشدة في التوصل إلى تسوية مع الرئيس باراك أوباما والديمقراطيين في مجلس النواب.
تلعب لجنة بوينر دوراً مهماً في تحديد أجندة أميركا المالية، وهو ما يعكس الشرط الدستوري الذي يقضي بإعداد فاتورة الإيرادات في مجلس النواب وارتكازها إلى الحقائق السياسية (ذلك أن مجلس النواب أقل انقساماً من مجلس الشيوخ عادة). وخلافاً لما حدث في عام 2013، فإن استراتيجية ريان وحلفائه هذه المرة من غير المرجح أن تشمل تهديداً بالتخلف عن سداد ديون الحكومة الفيدرالية بشكل مباشر. ويزعم الجمهوريون في اللجنة أن مدفوعات الضمان الاجتماعي سوف تسدد في الوقت المحدد. ما هي إذن الفواتير الأخرى التي يخططون لعدم سدادها كجزء من المواجهة بشأن التشريع الذي يقضي بالحفاظ على تمويل الحكومة؟
الواقع أنه من الصعب أن نجزم بالتهديد على وجه التحديد ــ وهذا جزء من المشكلة. ذلك أن عدم اليقين بشأن العقود الحكومية والأشكال المختلفة من المدفوعات من الممكن أن تخلف تأثيراً واسع النطاق على الاقتصاد. وصعوبة التعامل مع العواقب الاقتصادية الكاملة هي على وجه التحديد ما يثني المستهلكين عن الشراء ويدفع الشركات إلى تأجيل الاستثمار، وقد نشر مكتب المحاسبة الحكومي في الولايات المتحدة تقريراً مفيداً في يوليو استفاض في بيان بعض العواقب التي ترتبت على مواجهة 2013 بشأن سقف الديون ــ بما في ذلك الكيفية التي تسببت بها في دفع تكاليف اقتراض الحكومة إلى الارتفاع والتأثير السلبي الذي خلفه هذا على الاقتصاد. ولكن الأغلبية الجمهورية في الكونجرس تتجاهل ببساطة ذلك النمط من التحليل المنطقي.
ونتيجة لهذا، يصبح تعطل الحكومة الجزئي أمراً محتملاً تماماً، مع فرض الجمهوريين لشكل من أشكال ترتيب الأولويات على مدفوعات الحكومة: أي أن بعض الناس سوف يحصلون على مستحقاتهم، في حين لن يحصل عليها آخرون. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تغذية حالة الشكوك وعدم اليقين، وتقويض الثقة الاقتصادية، وإلحاق الضرر على نحو يكاد يكون مؤكداً بالجمهوريين في الانتخابات عام 2016. لماذا إذن من المرجح أن يحدث هذا؟
بوسعنا أن نجد أحد الأسباب في الطبيعة غير المركزية للسياسة الأميركية، والتي تجعل المسؤولين المنتخبين مدينين لقادة الحزب. ومن الواضح أن بعض أنصار الحزب الجمهوري ومانحيه انتقلوا إلى اليمين في العقود الأخيرة. ولكن كما شرحت أنا وجيمس كواك في كتابنا حول السياسة المالية الأميركية "البيت الأبيض يحترق"، فإن الوقت عندما كان اليمين الجمهوري يفضل الميزانيات المسؤولة والاستقرار المالي ولى ومضى منذ زمن بعيد. والآن يهتم اليمين ــ الذي يخدم على نحو متزايد جمهور ناخبين جنوبي ريفي أبيض البشرة ــ بقدر أكبر كثيراً بتقليص حجم الحكومة الفيدرالية، وفي السنوات الأخيرة نظر في إمكانية إغلاقها أو التهديد بعدم سداد الديون كوسيلة "لتجويع الوحش".
وعلاوة على ذلك، تعزز موقف الجمهوريين المتصلب العنيد بفِعل الموقف المتطرف الذي يتخذه كثيرون داخل الوفد الجمهوري في الكونغرس بضرورة سحب تمويل جمعية تنظيم الأسرة الأميركية ــ الهيئة المقدمة للرعاية الصحية والتي تخدم النساء في المقام الأول ــ كشرط مسبق للتوصل إلى أي اتفاق بشأن الميزانية. والواقع أن استقالة بوينر، رغم أن البعض يرون أنها تمهد الطريق للتوصل إلى اتفاق للأمد القريب لتمويل الحكومة، لا تؤكد إلا على قدرة أي زعيم جمهوري "مسؤول" المحدودة على السيطرة على التكتل السياسي الأصولي على نحو متزايد بين أعضاء الحزب.
في الولايات المتحدة، كما هي الحال في أي مكان آخر، ينبغي للمناقشات حول السياسة المالية أن تكون مفتوحة، مع بيانات واضحة عن الأهداف البديلة والتقييمات لأفضل الطرق لتغطية تكاليف المهام التي تقوم بها الحكومة. ولكن من المؤسف أن المناقشة والحلول الوسط التي تتبع ذلك لا تتفق مع تصور الجمهوريين. والواقع أن رحيل بوينر القسري يجعل من المرجح أكثر من أي وقت مضى أن تواجه الولايات المتحدة ــ والعالم ــ قريباً احتمال حدوث صدمة اقتصادية ذاتية الدافع وناجمة بالكامل عن تكتيكات الأرض المحروقة التي ينتهجها الجمهوريون في التعامل مع الميزانية.
* أستاذ في مدرسة سلون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا
