إلى أولئك الذين يدعون أن السياسة التقليدية لا تؤدي إلى التغيير فإن أهداف تنمية الألفية التي تبنتها الأمم المتحدة في نيويورك قبل 15 سنة، هي بمثابة الرد على ادعاءهم. لم يتم تحقيق كل شيء منصوص عليه في أهداف تنمية الألفية، ولن تتمكن أي دولة ضعيفة بشكل كامل من تحقيق أي من الأهداف بحلول تاريخ انتهائها في نهاية العام، ولكن حصل تقدم كبير، فلقد تم إنقاذ مئات الملايين من البشر من براثن الفقر وتم خفض الوفيات بين الأمهات بمقدار النصف تقريباً، وهناك المزيد من الأطفال يقدر عددهم بالملايين في المدارس الآن.

 

وبينما يصادق العالم هذا الأسبوع على الإطار الذي حل مكان أهداف تنمية الألفية وهو أهداف التنمية المستدامة، فإنه يقوم بذلك وكله ثقة، ولكن التحدي هو جعل تحديد الأهداف العالمية أكثر فعالية، وهذا يمكن أن يتحقق إلى حد ما عن طريق تعلم دروس الخمس عشرة سنة الماضية.

لقد وضعت مؤسستي - مبادرة حوكمة إفريقيا والموجودة في ثمانية بلدان - الأنظمة المحسنة للتوصيل والتطبيق في قلب التغيير المطلوب من أجل خفض الفقر والترويج للتنمية. إن ما أعرفه جيداً هو أن الشيء الأصعب بالنسبة للحكومة - وحتى في الدول المتقدمة - هو التنفيذ. إن القادة السياسيين يترشحون للرئاسة كناشطين عظام، ولكن عندما يصلون للسلطة يكتشفون بسرعة أنهم بحاجة إلى أن يصبحوا رؤساء تنفيذيين عظام من أجل تنفيذ سياساتهم.

أما في العالم النامي، حيث يكافح القادة للتغلب على مجموعة واسعة من التحديات فإن مثل هذه المهارات هي أكثر أهمية. إن الإصلاحات اللازمة عادة ما تكون راديكالية ولا تحظى بالشعبية، إضافة إلى كونها معقدة تقنياً. يتوجب على القادة مواجهة طرق عمل عفا عليها الزمن، وساعات لا تنتهي من المراسم ، وندرة المشورة السياسية فيما يتعلق بالمشاكل التي تواجهها الدول النامية بشكل اعتيادي من البنية التحتية إلى جذب الاستثمارات العالمية، أي بعبارة أخرى فإن الجهود الحثيثة لتقوية قدرة الحكومة وفعاليتها سوف تكون تكملة ممتازة لأهداف التنمية المستدامة، ولكن يجب عمل ذلك بنظرة عملية.

أولاً: نحن بحاجة إلى أن نقدر أن هناك ثمناً لتعدد المهام، فأهداف التنمية المستدامة تتألف من 17 هدفاً، إضافة إلى 169 من الأهداف الصغيرة والمرحلية، وكلها موضع إعجاب وتقدير ولكن يجب السماح للحكومات في الدول النامية بوضع أولويات فيما يتعلق بتلك الأهداف والتركيز على تناغم التغيير الأفضل بالنسبة لها، فعلى سبيل المثال في سيراليون خطة الإنعاش في مرحلة ما بعد «إيبولا» تركز على الطاقة والزراعة والصحة، ويتوجب على المجتمع الدولي دعم الحكومة في تلك المجالات بدلاً من الضغط عليها للعمل على جميع أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر منذ البداية.

ثانياً: إن التوصل لبرنامج لأعمال التنمية تمت صياغته بعناية ليس كافياً بحد ذاته ورؤساء الوزراء بحاجة إلى تحويل الأهداف إلى خطط والتحقق من بقاء تلك الخطط في المسار المحدد. إن من الغريب أن هذا التركيز العملياتي عادة ما يكون غائباً عن الجدل القائم وكما يعرف مشجعو كرة القدم، فإن الكرة لن تعانق الشباك ما لم يتعاون الفريق على إيصال الكرة إلى المهاجم، أما في غينيا فإن مبادرة الحوكمة لإفريقيا تعمل بشكل وثيق مع مكتب الحكومة للمشاريع الكبيرة، إن الرقابة الفعالة من ذلك الفريق تحقق نتائج مثل بناء جسر كاليتا، والذي سوف يمد الشبكة الوطنية بمئتين وأربعين ميغاواط من الطاقة.

ثالثاً: إن حجم أهداف التنمية يتطلب تمويلاً بنحو 11.5 تريليون دولار أميركي سنوياً وحتى نضع هذا الرقم في سياقه الصحيح، فإن من الجدير ذكره أن الإجمالي الحالي للناتج المحلي الإجمالي في منطقة جنوب الصحراء الإفريقية يصل لنحو تريليوني دولار أميركي. إن من الواضح أننا بحاجة إلى مفهوم أوسع للتمويل والسياسات المطلوبة من أجل دعم التنمية.

لكن المفتاح الرئيس هو توسيع الموارد المحلية المتوافرة للحكومات في الدول النامية ، و هذا يتطلب شراكات جديدة وتعاوناً أكبر عبر الحدود. ما يعني تبادلاً للأفكار وتشكيل التحالفات وقبول أن التطبيق العملي يجب أن يكون له الأفضلية على الأيديولوجيا.

إن الفكر الجديد سوف يكون مهماً ولكن الأسواق العالمية لديها بالفعل وفرة في الأفكار التي يمكن الاستفادة منها.لحسن الحظ، وخلافاً لفترة ما قبل الخمس عشرة سنة الماضية، فإن التقنية - وخاصة تقنية الهواتف النقالة (والتي تعتبر حالياً وحتى في الدول النامية تقنية شخصية) - يمكن أن تعمل ثورة في تقديم الخدمات وهذا بدأ يحدث بالفعل والأمثلة تشمل خدمة الأموال المتنقلة م-بيسا في كينيا، وخدمة الصحة المتنقله م - هيلث في غرب إفريقيا، والتي أظهرت نجاعتها خلال تفشي «إيبولا». إن هذه التقنيات وغيرها من التقنيات المتنقلة يمكن أن يتم تطويعها لتلائم أهدافاً محددة في مجتمعات مختلفة تماماً.

إن من الميزات الرائعة لأهداف تنمية الألفية خلال الخمس عشرة سنة الماضية هو الدور الذي لعبه الإحسان الخاص في تكملة الجهود التي تبذلها الحكومات. إن هذا يجب أن يشجعنا على إيجاد الطريق الصحيح للحكومات والمحسنين من أجل التعاون لإيجاد تغيير يحدث فرقاً وليس مجرد مسكنات للتهدئة.

إن درس الخمس عشرة سنة الماضية هو أن هزيمة الفقر العالمي ليست قضية ميؤوساً منها، وفي السنوات المقبلة بإمكان أهداف التنمية المستدامة أن تدفع العالم لتحقيق النجاح، وخاصة إذا تم دعم تلك الأهداف من خلال جهود حثيثة لتقوية قدرة الحكومات على تحقيقها.

 

* رئيس وزراء المملكة المتحدة من 1997 إلى 2010، ويعمل حالياً رئيساً لمبادرة الحوكمة لإفريقيا