إن التعليم العالي هو استثمار عظيم علماً أن كل سنة إضافية من التعليم ما بعد الثانوي تجني عائداً تصل نسبته إلى 10-15% بالمعدل. بالنسبة لخريجي الجامعات هذا يعني مئات الآلاف من الدولارات على مدى العمر ولكن للأسف فإن الطلاب الذين يطمحون للحصول على تعليم عالٍ وخاصة من العائلات محدودة الدخل والمدارس الثانوية ذات الأداء الضعيف يفتقرون للمعلومات التي يحتاجون إليها من أجل عمل خيارات حكيمة عن الأماكن التي سيذهبون إليها وماهية الدراسة التي سيختارونها من أجل زيادة العائد على استثمارهم.

 

أما في الولايات المتحدة الأميركية فإن إدارة الرئيس باراك أوباما تحاول أن تسد الفجوة المعلوماتية باستخدام بطاقة نتائج الكليات وهي عبارة عن قاعدة بيانات يمكن البحث فيها بسهولة للحصول على معلومات غير منحازة عن أداء وتكلفة المعاهد الأميركية العامة والخاصة التي تقدم تعليم ما بعد الثانوي، وعوضاً عن اقتراح ترتيب عام للمعاهد مبني على أساس مقياس مركب من مؤشرات رئيسية فإن قاعدة البيانات تعطينا بيانات مفصلة تغطي خمس فئات عريضة وهي التكلفة وديون الطلاب والسداد ومعدلات إكمال الدراسة والدخل في مرحلة ما بعد الجامعة وكيفية التعامل مع الطلبة المحرومين.

إن توفير البيانات الفيدرالية بشكل سلس إلى القطاع الخاص وتشجيع البرامج الابتكارية المفتوحة من أجل التعامل مع التحديات الاجتماعية تحمل بصمات حكومة أوباما. يحسب الصحافيون الأرقام على بطاقة نتائج الكليات من أجل اقتراح الترتيب والتوصيات ومن المؤكد أن يتبع ذلك بعض الأفكار لفرص تجارية جديدة.

إن بطاقة نتائج الكليات هي خطوة كبيرة للأمام بالنسبة للشفافية فهي لن تساعد الطلاب وعائلاتهم على عمل خيارات أفضل فحسب بل إنها سوف تحفز المعلمين وصناع السياسات في الحكومة على الحوار الذي يشجع الأبحاث والابتكار كما أنها سوف تضغط على المعاهد ذات الأداء الضعيف للتحسن.

بالنسبة للطلاب فإن هذه المعلومات لا تقدر بثمن فلقد وجدت إيزابيل ساوهيل وستيفاني أون من معهد بروكنغز أن هناك اختلافات كبيرة في العائد حسب المعهد والتخصص الرئيسي، فبينما تؤدي الدرجة الجامعية لمدة أربع سنوات بالمعدل إلى دخل إضافي على مدى العمر يصل إلى 570000 دولار أميركي فإن العوائد على الاستثمار هي في الواقع سلبية لمعهد من كل خمسة معاهد في العينة التي اختاروها والتي وصلت إلى 853 معهداً. لقد استنتج بيتر كابيلي من جامعة بنسلفانيا كذلك أن واحداً من كل أربعة برامج تحقق عوائد سلبية للطلاب، كما أن هناك اختلافاً كبيراً في العائد ضمن البرامج التي تعرض درجات جامعية مساعدة (عادة ما تكون مدة الدراسة سنتين بعد التعليم الثانوي) والتعليم المهني.

في الوقت نفسه فإن تكاليف الرسوم الدراسية تتزايد بشكل أسرع من دخول الأسرة المتوسطة بشكل عام. لقد زادت الديون المترتبة على قروض الطلاب بمقدار أربعة أضعاف منذ 2010، حيث تصل في الإجمالي الآن إلى أكثر من تريليون دولار أميركي والأسوأ من ذلك أن العديد من الكليات الأغلى – وخاصة الخاصة والمعاهد الربحية - لديها معدلات تخرج منخفضة. لقد وجد الباحثون في وزارة الخزانة الأميركية ومعهد بروكنجز أخيراً أن 70% من الطلاب الذي تخلفوا عن سداد ديونهم بعد تركهم للكليات سنة 2011 جاءوا من معاهد غير تقليدية ومعظمها جامعات ربحية.

إن هذه المشكلات تثير مسألة حتمية تطوير نماذج جديدة من أجل توصيل التعليم وفي هذا السياق يمكن للفيدرالية التقدمية – أي أن تقوم الحكومة الفيدرالية بتحديد الأهداف المتعلقة بالأداء والقدرة على تحمل التكاليف والوصول ومساءلة مقدمي الخدمة بالإضافة إلى تحفيز المؤسسات الخاصة والعامة على مستوى الدولة ومحلياً للابتكار- أن تلعب دوراً حيوياً.

إن المشكلة هي أن مؤسسات التعليم العالي - الخاصة والعامة - والتي تحصل على مستويات كبيرة من الدعم الفيدرالي غير خاضعة للمساءلة وفي الوقت نفسه خفضت العديد من الولايات من الإنفاق العام على التعليم العالي وحاولت أن تعوض الفرق عن طريق رفع الرسوم وإجبار الطلاب على أخذ قروض ممولة فيدرالياً.

إن وجود سياسة فيدرالية تقدمية ومصممة بعناية للتعليم الحالي سيعمل على تحديد الأهداف لمؤشرات الأداء الرئيسية - على أساس الإجراءات التي أبرزت في بطاقة نتائج الكليات - ومكافأة الولايات التي تحرز تقدماً باتجاه تحقيق تلك الأهداف. إن مثل هذه السياسة سوف تشجع وتمول جهود الولاية من أجل اختبار مقاربات جديدة لتوسيع القدرة على الوصول وزيادة معدلات التخرج وتحسين النتائج بالنسبة للطلاب خلال حياتهم.

إن الاقتراحات الإصلاحية المتعلقة بالتعليم العالي لمرشحة الرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون تعكس هذه المقاربة الفيدرالية التقدمية. إن "ميثاق الكليات" الذي تقدمت به يعطي منح فيدرالية إلى الولايات لو التزمت ونجحت في احتواء نفقات التعليم العالي بما في ذلك الالتحاق المجاني في كليات المجتمع التي تكون الدراسة فيها لسنتين.

إن العديد من معاهد التعليم العالي تختبر بالفعل تلك النماذج الجديدة. لقد نشرت جامعة ولاية أريزونا مجموعة من التقنيات على الإنترنت بالإضافة إلى برامج المراقبة من أجل إبقاء الطلبة على المسار الصحيح ومنذ سنة 2008 انخفضت تكلفة جامعة ولاية أريزونا للخريج (والتي تشمل إنفاق الولاية والرسوم الجامعية) من 68 ألف دولار أميركي إلى 56 ألف دولار أميركي وفي العام الماضي انضمت جامعة ولاية أريزونا إلى ستاربكس من أجل السماح لموظفي الشركة بإكمال دراساتهم الجامعية مجاناً على الإنترنت وفي الوقت نفسه زاد معدل التخرج بشكل عام من 33% إلى 49%.

إن الفيدرالية التقدمية يمكن أن تبني كذلك على الابتكارات المحلية وعلى مستوى الدولة من أجل تحسين القدرة على الوصول. لقد تمكنت ولاية تينيسي وهي ولاية يقودها الجمهوريون من جذب اهتمام على مستوى الدولة ببرنامج يعنى بخريجي المدارس الثانوية، حيث يعرض رسوماً مجانية في أي كلية مجتمع. أن هذا البرنامج ممول من يا نصيب الولاية وهو يقرب تينيسي أقرب من أية ولاية أخرى من أجل جعل كلية المجتمع شاملة وعامه مثل المدرسة الثانوية. لقد أشار أوباما إلى تينيسي كمصدر إلهام لاقتراحه بجعل رسوم كليات المجتمع مجانية على مستوى الدولة.

إن الفيدرالية التقدمية توفر طريقاً من أجل الاستفادة من هذه الابتكارات والبناء عليها. أن بإمكان الحكومة الفيدرالية تحديد التوجه الاستراتيجي وتأسيس الأهداف القابلة للقياس ورعاية النماذج الجديدة عندما تنشأ وذلك من أجل بناء نظام تعليمي يصلح للقرن الحادي والعشرين.

 

* تعمل أستاذة في كلية هاس لإدارة الأعمال في جامعة كاليفورنيا

 

** مدير سابق في مكنسكي وشركاه