للوهلة الأولى، تبدو الأزمات الدولية الكبرى اليوم وكأن لا شيء مشترك بينها سوى القليل. فبعضها، مثل دراما الديون في اليونان، كوارث اقتصادية؛ وبعضها، مثل انهيار سوريا، تتسم بالوحشية والفوضى السياسية؛ وبعضها الآخر، وأبرزها معضلة أوكرانيا، تقع في مكان ما بين الفئتين الأوليين. ولكن برغم ما قد يرغب صناع السياسيات في تصديقه، فإن هذه الأحداث ليست بلا روابط تصل بينها جميعاً. بل إنها على العكس من ذلك تعكس أزمة أكثر عمقاً تتعلق بالتكامل الدولي والتعاون.

على مدى السنوات الستين الماضية شهد العالم قدراً غير مسبوق من السلام والازدهار لسبب بسيط: وهو أن البلدان أدمجت نفسها طوعاً في مجتمع دولي مدعوم بقواعد ومعايير مشتركة.

ولكن هذا الاتجاه أفسح المجال لاستجابات تدريجية بطيئة للأزمات، سواء من خلال التقشف أو السيطرة على الضرر على المستوى المحلي، والتي تستند إلى افتراض معقول مفاده أن المشكلات كتلك التي تعاني منها اليونان وسوريا وأوكرانيا سوف تصحح نفسها تلقائياً في نهاية المطاف، وفي الاعتماد على تدابير مؤقتة لمعالجة الأزمات، يبدو أن زعماء العالم تناسوا إلى أي مدى أصبح العالم مترابطاً. فالاضطرابات أو فترات الركود في أحد الأجزاء من نظام معقد من الممكن أن تخلف عواقب هائلة في أماكن أخرى، في هيئة أزمة لاجئين على سبيل المثال أو اتساع في فجوة التفاوت بين الناس.

على سبيل المثال، كانت الوعكة في أوروبا ــ التي كان أحد أسباب استمرارها إصرار زعمائها على التدابير المتخبطة بدلاً من السعي إلى إيجاد حلول شاملة ــ سبباً في إحداث عواقب خطيرة بالنسبة لأوكرانيا، الدولة التي تترنح على حافة الانهيار.

فبحلول نهاية هذا العام، من المتوقع أن يصبح حجم اقتصاد أوكرانيا أصغر مما كان عليه في عام 2013 بنحو 15%، وربما تقترب نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي هناك من 200%، وهو النسبة التي تتجاوز مثيلتها في اليونان في أسوأ حالاتها. والوضع الأمني في القسم الشرقي من البلاد آخذ في التدهور، ومن غير الممكن أن نتوقع من الدائنين أن يكونوا أكثر تساهلاً مع أوكرانيا مما كانوا عليه مع اليونان، البلد العضو في منطقة اليورو. ولكن اتخاذ موقف صارم من أوكرانيا في وقت حيث تخوض حرباً ضد روسيا من الممكن أن يهدد المنطقة الاستراتيجية العازلة لأوروبا من البلطيق إلى البلقان.

ذات يوم، قال رجل الاقتصاد ألبرت هيرشمان إن الأزمة إما أن تؤدي إلى التفكك والانقسام أو تفضي إلى التكامل. فالأفراد والمؤسسات، في مواجهة الشدائد والافتقار إلى الثقة في صناع السياسات، إما أن "يخرجوا" من المؤسسات والجمعيات التي تربط بينهم، أو يحتشدوا معاً لإنعاشها، من المؤسف أن أزمات اليوم تبدو حتى مسببة للتفكك والانقسام إلى حد كبير. ولنتأمل هنا هروب رأس المال، الذي أرغم اليونان على فرض الضوابط.

وبطبيعة الحال، من الممكن أن تخلف آليات الخروج مثل هروب رأس المال تأثيراً إيجابياً. ففي القرن الثامن عشر، تسبب هروب رأس المال في الإبقاء على الحكام النهابين تحت السيطرة. وكان آدم سميث ينظر إلى ارتفاع رؤوس الأموال المنقولة باعتبارها قوة كفيلة بتشجيع السياسات العامة المستنيرة التي تخدم المصلحة العامة.

ولكن في عالم اليوم المترابط بات من الممكن أن يتحرك رأس المال بسرعة أكبر كثيراً وإلى مقاصد أكثر، فيعبر الحدود بضغطة ماوس. وعلاوة على ذلك، أصبحت الصناعة المالية العالمية مستقلة إلى حد كبير، مدفوعة بالمصلحة الذاتية وليس الرغبة في تعزيز الصالح العام، وكما رأينا في أوروبا منذ عام 2010، وأيضاً في أوكرانيا، وبورتوريكو أخيراً، فإن القدرة على الاندفاع إلى المخرج في أي وقت يزيل الحافز لدى المستثمرين لتقديم أي تنازلات. وفيما يناضل صناع السياسات لإيجاد الإجماع حول أي أجندة إصلاحية، فإن احتمالات تجديد المواثيق والسياسات التي قام عليها التكامل والتعاون باتت في تدهور مستمر.

بيد أن النظام العالمي ليس بأي حال من الأحوال محكوماً عليه بالتحول إلى فوضى. ذلك أن أزمة التكامل الدولي اليوم من الممكن أن تصبح حافزاً لخلق نظام عالمي جديد أو مجدد، وهذا ليس بلا سابقة. بل إن النظام العالمي الحالي نشأ من أزمات كبرى مثل الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين والحرب العالمية الثانية، حيث شرعت البلدان في بناء المواثيق الاجتماعية والمؤسسات الاقتصادية التي كانت كفيلة بدعم السلام والازدهار لعقود عدة تالية، ولكي يضمن صناع السياسات أن الأزمة قادرة على إنتاج مثل هذه الاستجابة التكاملية البنّاءة، فيتعين عليهم أن يغيروا عقليتهم. فبدلاً من رؤية مشكلات لابد من احتوائها فحسب، ينبغي لهم أن ينظروا إلى الأزمات باعتبارها فرصة لتحقيق التقدم.

واليوم، تكمن بعض السياسات التكاملية المهمة في المتناول. فعلى الجبهة الاقتصادية، ينبغي لصناع السياسات أن يتوقفوا عن صب الأموال العامة في عمليات إنقاذ يستفيد منها الدائنون من القطاع الخاص على حساب دافعي الضرائب، كما ينبغي لهم أن يعملوا على إنهاء برامج التقشف التي تقتل آفاق النمو ولا تعالج مشكلة الديون المتراكمة. ويتعين عليهم أيضاً أن يعملوا على إصلاح الأنظمة الضريبية وتحسين التعاون من أجل الحد من التهرب الضريبي، واستخدام الإيرادات الإضافية للاستثمار في البنية الأساسية المادية والتعليم. ومثل هذه التدابير كفيلة بخلق الوظائف اليوم، وتأمين الرخاء للغد.

وهناك احتياج أيضاً لاتخاذ بعض التدابير السياسية. فأوروبا في حاجة إلى إطار أكثر ديمقراطية يبقي الخبراء والمديرين الماليين على طاولة المفاوضات. وعلى نحو مماثل، مع تحول احتمال التحاق أوكرانيا بعضوية حلف شمال الأطلسي إلى حبر على ورق، فينبغي للغرب أن يتخذ الخطوات الكفيلة بتهدئة التوترات مع روسيا، من أجل ضمان استمرار مشاركتها في الجهود الدولية المبذولة للتصدي لتهديدات رئيسية (كما حدث عندما تفاوض على الاتفاق الأخير للبرنامج النووي الإيراني).

إن القرارات المتخبطة لا تقود إلا إلى نتيجة واحدة: التفكك. وعندما يدرك زعماء العالم المصدر المشترك ومدى الترابط بين الأزمات الدولية الحالية فسوف يصبحون في وضع يسمح لهم بالتصدي لهذه الأزمات بشكل فعّال.

 

* مدير مختبر التاريخ العالمي في جامعة برينستون

** باحثة لدى المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، ومحاضِرة زائرة في جامعة برينستون