تصَوِّر رائعة هوليوود السينمائية الجديدة «التضحية بالبيدق» الحياة المعذبة التي عاشها عبقري الشطرنج روبرت جيمس «بوبي» فيشر منذ أوائل أيامه باعتباره طفلاً معجزة إلى مباراته التاريخية في سن التاسعة والعشرين مع بطل العالم الروسي بوريس سباسكي.
ويصور الممثل توبي ماغواير شخصية البطل فيشر بقدر لافت للنظر من الصحة والدقة ــ الواقع أنه تصوير مثالي من منظور أولئك من أمثالنا الذين التقوا فيشر في ريعان شبابه.
بالنسبة للبطل الأميركي، كانت المباراة بمثابة إتمام لعقدين من الزمن من مطاردة اللقب، بدءاً من أيامه كطفل معجزة. وبالنسبة لروسيا، لم تكن المباراة متعلقة بالفوز بالمال؛ بل كانت تدور حول الفوز بالقلوب والعقول. فكان عالم الشطرنج لفترة طويلة ساحة المعركة المثالية لإثبات تفوق النظام السوفييتي.
أياً كانت منزلته في الولايات المتحدة، فمن المؤكد أن فيشر كان الأميركي الأكثر فوزاً بحب الناس في روسيا. فقد تجاوزت عظمته كلاعب شطرنج الدعاية في بلد، حيث يقدر الناس العاديون جمال اللعبة الفطري ويفهمونه.
الحق أن المرء ليظن أن نوبات جنون الشك والاضطهاد التي ابتلي بها فيشر فضلاً عن عيوبه الشخصية كانت لتلقي به إلى هاوية الفشل في عالم الإنترنت اليوم قبل أن يصبح بطلاً بفترة طويلة. فبعد أن أصبح فيشر بطلاً وتوقف ببساطة عن المشاركة في المباريات التنافسية، أصبح مرضه العقلي أشد سوءاً. ورغم أن لا أحد يستطيع أن يتغاضى عن أحاديثه الصاخبة السامة الخبيثة وأفكاره السوداوية في آخر سنوات حياته (توفي في عام 2008)..
فمن المحزن أن ندرك أن شخصاً بهذا القدر الشاهق من الإبداع والعبقرية، والذي ألهم أعداداً كبيرة من الناس من خلال ممارسته لرياضة الشطرنج، ربما كان لينهي حياته المهنية في مرحلة مبكرة للغاية لو كان على الساحة اليوم. إننا نعيش في عالم مختلف تماماً. والواقع أن فيلم «التضحية بالبيدق» يذكرنا بعالَم حيث كانت المآثر التي أنجزها فيشر ممكنة.
* يحمل لقب أستاذ دولي في لعبة الشطرنج