مع اقتراب بداية تنفيذ برنامج القروض اليونانية الثالث، حان الوقت لكي يبدأ القادة الأوروبيون التركيز على المستقبل. ولا يعني هذا التركيز على جدول أقساط ديون اليونان على مدى الأشهر القليلة المقبلة، بل يعني الشروع في تنفيذ برنامج واسع النطاق للإصلاح الاقتصادي يجمع بين إصلاحات جانب العرض المعززة للنمو والجهود على جانب الطلب لدعم الاستثمار وخلق فرص العمل.
الواقع أن أسعار النفط المنخفضة، وسعر صرف اليورو الأكثر قدرة على المنافسة، واستخدام البنك المركزي الأوروبي الحكيم لمجموعته الكاملة من السياسات النقدية المثبتة للاستقرار النقدي ــ ناهيك عن حقيقة مفادها أن التهديد الذي يفرضه خروج اليونان تم تجنبه، على الأقل في الوقت الحال ــ كل هذا يوفر خلفية مواتية لتنفيذ مثل هذه الإصلاحات الطموحة.
وحتى البيئة السياسية قد لا تكون مشؤومة بقدر ما يُعتَقَد غالبا: فبرغم ارتفاع المشاعر المعادية لأوروبا على نحو مثير للقلق والانزعاج في العديد من البلدان ــ وخاصة تلك التي كانت الأكثر تضرراً بالأزمة ــ هناك توق ملموس بين الأوروبيين إلى الخروج من المنحدر الاقتصادي (والسياسي) الذي انزلقت إليه القارة.
وقد كشفت دراسة استطلاع أجرتها مؤسسة ماكينزي مؤخراً أن الأوروبيين لا يتطلعون إلى اقتصاد أكثر حيوية، ودخول أعلى، وخدمات عامة أفضل (وخاصة الرعاية الصحية والتعليم) فحسب، بل إنهم على استعداد أيضاً لقبول المقايضات، بما في ذلك ساعات عمل أطول وخفض مستويات الحماية الاجتماعية، لتحقيق هذه الغايات. فقد قال 91 % من أصل 16 ألف مستجيب للاستطلاع إنهم يفضلون التغيير على الوضع الراهن، حتى إذا تطلب الأمر بعض التضحيات.
في الأمد الأبعد، سوف تواجه أوروبا تحديات ديموغرافية خطيرة. فبحلول عام 2050 قد تتقلص قوة العمل في الاتحاد الأوروبية بنحو 12 %، أو ما يقرب من 42 مليون عامل. وهذا من شأنه أن يثبط بشدة آفاق النمو في الاتحاد الأوروبي، ما لم يتم التعويض عنه من خلال دَفعة قوية في الإنتاجية، أو توسع المشاركة في قوة العمل، أو مستويات الهجرة المرتفعة، في معهد ماكينزي العالمي..
قمنا بتحديد 11 مجموعة من التدابير التي من شأنها إذا تم تطبيقها في مختلف أنحاء أوروبا أن تعمل على تعزيز الإنتاجية، وتحريك قوة العمل، وجعل الاستثمار ــ المراهنة على المستقبل ــ جذاباً مرة أخرى. ولا تستند هذه التوصيات إلى وهم أكاديمي نظري، بل إلى السياسات التي تثبت الآن بالفعل جدارتها في دولة أوروبية واحدة على الأقل.
بطبيعة الحال، قد يكون تنفيذ الإصلاحات العميقة، التي قد لا تحظى بشعبية سياسية، أمراً بالغ الصعوبة. ولكن الافتقار إلى البدائل الجذابة لابد أن يكون كافياً لإقناع بلدان الاتحاد الأوروبي..
ــ وليس فقط تلك التي تلقت المساعدات منذ اندلاع الأزمة ــ بإجراء التغييرات، على سبيل المثال، برغم زيادة متوسط العمر المتوقع في أوروبا بنحو تسع سنوات منذ سبعينيات القرن العشرين، انخفضت سن التقاعد الفعلية بنحو ست سنوات، الأمر الذي أدى إلى انخفاض نسبة المشاركين في قوة العمل من الفئة العمرية 55 إلى 74 عاماً إلى 35 % فقط. وهنا تحمل السويد ــ التي تربط بين سن التقاعد ومتوسط العمر المتوقع..
وبالتالي تعمل على توسيع إنتاجية قوة العمل «الفضية» ــ لواء الريادة. والواقع أن زيادة سن التقاعد كانت من العناصر المهمة في حزم الإنقاذ اليونانية والبرتغالية والإسبانية. وعلى نحو مماثل، تُظهِر منطقة فلاندرز في بلجيكا والدول الاسكندنافية كيف يمكن للحكومات أن تستخدم أنشطتها المرتبطة بالمشتريات والتشغيل بشكل أكثر ذكاء، وتوجيه مشاريع البحث والتطوير في القطاع الخاص نحو الإبداع التكنولوجي.
وتقدم كل من الدنمارك وألمانيا نماذج طيبة لضمان الانتقال بشكل أكثر سلاسة من التعليم إلى العمل. وعلى جانب الطلب، حان الوقت لكسر جمود المناقشات الدائرة حول ضرورة توفير الحوافز وكيفية توفيرها. ويتلخص أحد الخيارات التي قمنا بتحديدها في احتساب الاستثمارات العامة مع انخفاض قيمتها، وليس في وقت تكوين رأس المال..
وبالتالي فتح المجال أمام ما قد يصل إلى 140 مليار يورو (157 مليار دولار أميركي) سنويا. وهذه ليست حيلة حسابية؛ بل إنها تمييز متعقل بين الحسابات الجارية والحسابات الرأسمالية، التي تمثل عنصراً رئيسياً في الموارد المالية العامة.
وبتنفيذ البرنامج الشامل الذي نقترحه في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي يصبح في الإمكان اقفال فجوة الناتج وإعادة القارة إلى معدل النمو السنوي المستدام في نطاق 2 % إلى 3 % على مدى العقد المقبل، وبالتالي تعزيز الاستثمار بنحو 250 مليارا إلى 550 مليار يورو سنويا، وتأمين أكثر من عشرين مليون فرصة عمل جديدة.
وهذه ليست أرقاماً وهمية. ذلك أن ثلاثة أرباع محركات النمو على جانب العرض وفقاً للبرنامج تقع ضمن نطاق إمكانات الحكومات الوطنية. وكل المقترحات قابلة للتطبيق ومجدية في إطار الأوضاع الحالية في الاتحاد الأوروبي.
ويكمن مفتاح النجاح هنا في تنفيذ النوعين من التدابير في ذات الوقت. ذلك أن دعم الطلب من دون تكييف الهياكل الأساسية لن يحقق النتائج المرجوة. وكما رأينا في اليونان، فإن تنفيذ الإصلاحات البنيوية من دون تكييف دوافع الطلب من الممكن أن يؤدي إلى ركود انكماشي أو ما هو أشد سوءا، وبالتالي تقويض رغبة عامة الناس في المواصلة على مسار الإصلاح.
رغم كل تشاؤم السنوات القليلة الماضية، فإن أوروبا بعيدة كل البعد عن كونها قوة مستهلكة.
فهي لا تزال تولد 25 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهي تضم بعض المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الأساسية الرائدة ــ ولنتذكر هنا القدرة التنافسية التجارية التي تتمتع بها بادن فورتمبيرغ، وقوة لندن في مجال الخدمات، وبينة النقل الأساسية العالمية الطراز في رون ألبس، وكفاءة الطاقة في الدنمارك. ورغم هذا فإن أوروبا ظلت تناضل لسنوات، في حين نجحت اقتصادات أخرى في هندسة التعافي.
وإذا كان لها أن تستعيد نفوذها وتحافظ على تماسكها الاجتماعي والسياسي الثمين، فيتعين عليها أن تعالج القضايا الأطول أمداً والمرتبطة بالاستثمار والنمو وتشغيل العمالة. إن الظروف الاقتصادية الحالية توفر الفرصة السياسية المواتية لخلق مستقبل أكثر ازدهاراً. ويتعين على صناع السياسات في أوروبا أن يغتنموا هذه الفرصة.
* أستاذ الاقتصاد الزائر في جامعة هارفارد
** رئيس معهد ماكينزي العالمي
*** مدير ماكينزي آند كومباني



