هناك أربع دول حتى الآن، في أميركا الوسطى ــ غواتيمالا، والسلفادور، وهندوراس، ونيكاراغوا ــ تناضل وهي لا تزال مثقلة بتركة حروب القرن الماضي.

وهي ديمقراطيات صامدة وإن كانت غير مكتملة بعد، وهي فضلاً عن ذلك تواجه تحديات تتمثل في الفقر والعنف والفساد ــ وجميعها نسيها المجتمع الدولي. ولكن الآن هناك من الأسباب ما يدعو إلى الأمل في تحسن آفاق هذه البلدان.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن نيكاراغوا لا تنتمي بشكل كامل إلى نفس فئة البلدان الثلاثة الأخرى في أميركا الوسطى. صحيح أنها عانت مثلها من حرب أهلية وحشية ومطولة؛ ولكنها خلافاً لها حظيت بحكومات متعاقبة نجحت في بناء مؤسسات قادرة على دعم مستوى معقول من السيطرة على الأراضي والأمن الداخلي، على النقيض من هذا، تعاني السلفادور وهندوراس من مستويات من العنف تُعَد بين أعلى المستويات في العالم، والتي تجتاح المدن والأحياء الفقيرة، وتستنزف الأجيال الأكثر شباباً، وتطرد الاستثمار والسياحة. وتختلف التفاصيل من بلد إلى أخرى، ولكن النتائج لا تختلف.

ففي هندوراس، تعمل العصابات المحلية مع جماعات الجريمة المنظمة الدولية. ومنذ عام 2005، وبمساعدة أنصار تشافيز في فنزويلا ورؤساء العصابات في المكسيك، خدمت البلاد كخط أنابيب لنقل المخدرات غير المشروعة، وخاصة الكوكايين، من فنزويلا إلى المكسيك والولايات المتحدة ..

وفي غواتيمالا، كانت المنظمات الإجرامية الكبرى راسخة في البلاد لفترة طويلة، حتى أن العصابات أصبحت أقرب إلى وسيلة للحراك الاجتماعي من كونها أي شيء آخر. ومنذ أغلقت المكسيك مجالها الجوي أمام طائرات تجار المخدرات من كولومبيا وفنزويلا، أصبحت سواحل غواتيمالا وطرقها السريعة بالغة الأهمية للتجارة، مع تقاتل التجار المحليين والمكسيكيين والكولومبيين من أجل الفوز بالسيطرة.

في السلفادور، كان وجود تجار المخدرات أقل (فالبلاد ليست الطريق إلى الشمال)، وتنتمي العصابات المسلحة في البلاد إلى أصل مختلف: لوس انجليس. أثناء الحرب الأهلية في السلفادور، فر مئات الآلاف من مواطنيها إلى الولايات المتحدة، حيث انضم البعض إلى العصابات طلباً للحماية والرزق. وقبل نحو خمسة عشر عاماً، تم ترحيل العديد من أفراد العصابات هؤلاء، فجلبوا معهم أنشطتهم الإجرامية .

وكان وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في ظل الحكومة السابقة مع زعماء العصابات سبباً في تخفيف وتيرة العنف لبعض الوقت. ولكن القرار الذي اتخذته الإدارة الحالية بإلغاء الاتفاق (الذي أصبح متزايد الضعف على أية حال) تسبب في إشعار شرارة استجابة شرسة من قِبَل عصابات كبرى. ومع رد الحكومة الضربات للعصابات، بلغ العنف مستويات غير مسبوقة: 250 قتيلاً في غضون الأسبوع الأول فقط من أغسطس.

ونظراً لعدم استقرار هذه البلدان، فقد لا يكون من المستغرب أن يلعب مواطنوها المغتربون دوراً رئيسياً في اقتصاداتها. فنيكاراغوا التي يتجه المهاجرون من مواطنيها عادة جنوباً إلى كوستاريكا أو للعمل في صناعة البناء في بنما، تعتمد على التحويلات المالية في 10% من ناتجها المحلي الإجمالي.

وتتلقى جواتيمالا ما يعادل 10% من دخلها الوطني من المغتربين، وأغلبهم في الولايات المتحدة. وتمثل التحويلات المالية من الخارج نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي في هندوراس، ونحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي في السلفادور.

على الرغم من الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لترحيل مواطني أميركا الوسطى الذين يصلون إلى أراضيها، ومحاولة المكسيك إغلاق حدودها الجنوبية لمساعدة جارتها في الشمال..

فإن تدفق المهاجرين مستمر. وكما حذر السياسي السلفادوري السابق خواكين فيلالوبوس، فإن المنطقة معرضة لخطر الاعتماد بشكل كبير على الأموال الخارجية، سواء التحويلات من الخارج أو المساعدات إلى الحد الذي يجعل قدرات قوة العمل لديها واستعدادها للإبداع عُرضة للتفكك، وهو ما من شأنه أن يقودها إلى حالة من الفقر الدائم.

الواقع أن بلدان أميركا الوسطى التي تكافح الآن تحتاج إلى المساعدة حتى يتسنى لها الإفلات من مأزقها الحالي.

ومن حسن الحظ أن الولايات المتحدة، بعد عقود من الابتعاد عن شؤون المنطقة في عموم الأمر، تبدو على استعداد للعودة إلى التدخل، وهذه المرة بطريقة إيجابية. وهو أمر مناسب تماماً، نظراً للدور الذي لعبته أميركا ــ منذ انطلاق «الحرب ضد المخدرات» في عام 1971 إلى الحروب القذرة في الثمانينيات ــ في خلق وإدامة المشكلات في المنطقة.

حتى الآن، كانت الولايات المتحدة تركز بشكل كامل تقريباً على الحد من تهريب المخدرات. ولكن تنوع وحجم التحديات التي تواجه المنطقة من الأسباب التي ترغم إدارة الرئيس باراك أوباما على التصدي لقضايا أخرى، من الهجرة التي تؤثر على الولايات المتحدة بشكل مباشر، إلى العنف والفساد.

ومما يدعو إلى التفاؤل أن الولايات المتحدة تقوم بدور فعّال في تنشيط وتحويل المفوضية الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب في غواتيمالا، والتي أنشئت عام 2006.

والواقع أن المفوضية الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب في غواتيمالا، والتي كانت ممولة في الأصل من قِبَل الاتحاد الأوروبي وغيره من الجهات التي شاركت في اتفاقات السلام لعام 1996 التي أنهت 36 عاماً من الحرب الأهلية، كانت تهدف إلى المساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية «للجرائم التي ارتكبت بواسطة أعضاء في أجهزة الأمن غير الشرعية».

الواقع أن مثل هذه المؤسسات، جنباً إلى جنب مع المليار دولار التي وعدت الولايات المتحدة بتقديمها للدول الثلاث في العام الماضي، من الممكن أن تساعد في وضعها على المسار نحو الاستقرار. بل وربما تساعد حتى في تمكينها من إحياء الحلم القديم المتمثل في إنشاء الاتحاد الجمركي، والذي ربما يضم نيكاراغوا و / أو كوستاريكا.

هذا هو أول شعاع من الأمل تشهده المنطقة منذ فترة. وإن المرء ليأمل أن يشير هذا الشعاع فجراً جديداً طال انتظاره.

 

* وزير خارجية المكسيك السابق