إن سفك الدماء المتواصل في سوريا ليس فقط الكارثة الإنسانية العظمى على الإطلاق في العالم اليوم، بل إنه يشكل أيضاً أحد أعظم المخاطر الجيوسياسية التي تواجهه.

ومن الواضح أن النهج الحالي الذي تتبناه الولايات المتحدة ــ خوض حرب على جبهتين ضد تنظيم داعش ونظام الرئيس بشار الأسد ــ فشل فشلاً ذريعاً. إن أي حل للأزمة السورية، بما في ذلك أزمة اللاجئين المتنامية في أوروبا، لابد أن يمر عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

تمتد جذور استراتيجية الولايات المتحدة في سوريا إلى ذلك الاتحاد الغريب ــ وغير الناجح ــ بين مصدرين من مصادر السياسة الخارجية الأميركية. أحدهما يشمل المؤسسة الأمنية الأميركية، بما في ذلك المؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات، وأنصارها المخلصين في الكونغرس.

 وينشأ المصدر الثاني من مجتمع حقوق الإنسان. وكان هذا الاندماج الغريب واضحاً في العديد من الحروب الأخيرة التي خاضتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأفريقيا. ومن المؤسف أن النتائج كانت مدمرة على الدوام.

تأتي تحركات المؤسسة الأمنية مدفوعة باعتماد صناع السياسة في الولايات المتحدة منذ أمد بعيد على القوة العسكرية والعمليات السرية للإطاحة بالأنظمة التي تُعَد ضارة بالمصالح الأميركية. فقد كان تغيير الأنظمة بمثابة حجر الزاوية في عالم السياسة الأمنية في الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه، دعمت أجزاء من مجتمع حقوق الإنسان التدخلات العسكرية الأميركية الأخيرة استناداً إلى مبدأ "المسؤولية عن الحماية".

بوسعنا أيضاً أن نتتبع جذور تدخل الولايات المتحدة في سوريا إلى القرارات التي اتخذتها المؤسسة الأمنية قبل ربع قرن من الزمن بإسقاط الأنظمة المدعومة من قِبَل السوفييت في الشرق الأوسط. وكما أوضح وكيل وزارة الدفاع آنذاك بول وولفويتز للجنرال ويسلي كلارك في عام 1991:

"لقد تعلمنا أننا قادرون على التدخل عسكرياً في المنطقة والإفلات من العقاب، فلن يحرك السوفييت ساكناً لمنعنا... والآن لدينا من خمس إلى عشر سنوات لاقتلاع هذه الأنظمة القديمة الوكيلة للسوفييت ــ في العراق وسوريا وغيرهما ــ قبل أن يتسنى للقوة العظمى القادمة (الصين) أن تتحدانا في المنطقة"..

وعندما ضرب تنظيم القاعدة الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، استخدمت المؤسسة الأمنية الهجوم كذريعة لشن حربها المرغوبة منذ فترة طويلة للإطاحة بصدّام حسين.

وعندما اندلعت احتجاجات الربيع العربي بعد عشر سنوات تقريباً، نظرت المؤسسة الأمنية الأميركية إلى الضعف المفاجئ الذي اعترى نظام القذافي ونظام الأسد باعتباره فرصة مماثلة لتثبيت أنظمة جديدة في ليبيا وسوريا. كانت هذه هي النظرية على أية حال.

في حالة سوريا، كان حلفاء أميركا في المنطقة أيضاً هم الذين طلبوا من إدارة الرئيس باراك أوباما أن تتحرك ضد الأسد..

وقد انضم مجتمع حقوق الإنسان إلى جوقة تغيير النظام عندما رد الأسد على مطالبة احتجاجات الربيع العربي بالتحرر السياسي بإطلاق العنان للجيش والقوات شبه العسكرية. ومنذ مارس إلى أغسطس 2011، قتلت قوات الأسد نحو 2000 شخص. وعند تلك النقطة، أعلن أوباما أن الأسد لابد أن "يتنحى".

الحق أننا لا نعلم المدى الكامل لتحركات الولايات المتحدة في سوريا بعد ذلك. ولكن على المستوى الدبلوماسي، قامت الولايات المتحدة بتشكيل ما يسمى تحالف "أصدقاء سوريا"، الذي تألف في الأساس من بلدان الغرب والشرق الأوسط الملتزمة بالإطاحة بالأسد. وبدأت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية العمل سراً مع تركيا لتوجيه الأسلحة، والتمويل..

وتقديم الدعم "غير القاتل" لما يسمى "الجيش السوري الحر" وغيره من الجماعات المتمردة التي تعمل لإسقاط الأسد، وكانت النتيجة الكارثة التامة. ففي حين كانت أعداد القتلى تقترب من نحو 500 شخص شهرياً في الفترة من مارس إلى أغسطس 2011، توفي نحو 100 ألف مدني ــ نحو 3200 شخص شهرياً ــ في الفترة من سبتمبر 2011 إلى أبريل 2015..

وبإضافة أعداد القتلى من المتحاربين ربما يصل الرقم الإجمال إلى 310 آلاف قتيل، أو نحو عشرة آلاف قتيل شهرياً. ومع استغلال تنظيم داعش وغيره من الجماعات المتطرفة الوحشية لحالة الفوضى التي خلفتها الحرب الأهلية، أصبحت احتمالات السلام أبعد من أي وقت مضى.

وإذا كانت الولايات المتحدة راغبة في تحقيق نتائج أفضل، فيتعين عليها أن تكف عن اتخاذ القرارات والتحركات المنفردة. فالولايات المتحدة غير قادرة على فرض إرادتها عسكرياً، ومحاولة القيام بهذا لم تسفر إلا عن اصطفاف دول أخرى قوية، بما في ذلك الصين وروسيا، ضدها.

والواقع أن روسيا، مثلها في ذلك كمثل الولايات المتحدة، لديها مصلحة قوية في تثبيت الاستقرار في سوريا وإلحاق الهزيمة بتنظيم داعش؛ ولكن من المؤكد أن السماح للولايات المتحدة بتنصيب أنظمتها المختارة في سوريا أو أي مكان آخر في المنطقة ضد مصلحتها. ولهذا السبب، كان مصير كل الجهود من قِبَل مجلس الأمن الدولي لصياغة موقف مشترك بشأن سوريا حتى الآن إلى التعثر والإخفاق.

ولكن تجربة مسار الأمم المتحدة مرة أخرى أمر ممكن وحتمي. والواقع أن الاتفاق النووي بين إيران والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، والصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة) بالإضافة إلى ألمانيا، قدم للتو دليلاً قوياً على قدرة مجلس الأمن على القيادة.

 وهو قادر على القيادة في سوريا أيضاً، شريطة أن تنحي الولايات المتحدة جانباً مطالبتها المنفردة بتغيير النظام وأن تعمل بالتعاون مع بقية المجلس، بما في ذلك الصين وروسيا، على نهج مشترك، ففي سوريا، لن يتسنى النجاح إلا من خلال الجهود المتعددة الأطراف. وتظل الأمم المتحدة الأمل الأفضل لدى العالم ــ بل أمله الوحيد ــ لوقف حمام الدم السوري ووقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا.

 

* المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الأهداف الإنمائية للألفية