كثيرون من الساسة وأهل الاقتصاد يعتبرون تدابير التقشف، التي ألح دائنو اليونان على فرضها، مسؤولة عن انهيار الاقتصاد اليوناني.

ولكن البيانات لا تُظهِر قدراً لافتاً للنظر من التقشف بالمقاييس التاريخية، ولم تكن التخفيضات التي فرضتها الحكومة شديدة بالقدر الكافي لتفسير الخسارة الضخمة للوظائف. بل تُظهِر البيانات عِللاً اقتصادية تمتد جذورها إلى قيم ومعتقدات المجتمع اليوناني.

الواقع أن القطاع العام في اليونان عامر بالمحسوبية (لكسب الأصوات) ومحاباة الأصدقاء المقربين (لكسب الحظوة والامتياز)، على نحو غير مشهود في أجزاء أخرى من أوروبا. فالحد الأقصى لمعاشات تقاعد موظفي القطاع العام نسبة إلى الأجور يكاد يعادل ضعفي نظيره في أسبانيا؛ وتحابي الحكومة النخب من رجال الأعمال بإعفائهم من الضرائب؛ ويتقاضى بعض الموظفين رواتبهم من دون حتى الذهاب إلى العمل.

ويعاني القطاع الخاص أيضاً من بعض الأمراض الخطيرة ــ وأبرزها النفوذ القوي الذي يتمتع به أصحاب المصالح الخاصة والنخب السياسية في البلاد من رجال الأعمال والساسة. ويحصل المطلعون من الداخل على إعانات الدعم والعقود، والأمر المذهل أن رجال الأعمال الشباب في اليونان يتجنبون تسجيل شركاتهم في اليونان، خشية أن يستخدم آخرون وثائق مزورة للاستيلاء على شركاتهم.

ووفقاً للبنك الدولي فإن اليونان تُعَد واحدة من أصعب الأماكن في أوروبا لتأسيس شركة، لا شك أن اليونان شهدت مكاسب الإنتاجية بعد الحرب العالمية الثانية، ويتمثل المصدر الثاني بوفرة رجال الأعمال المشاركين في إيجاد عمليات جديدة يطلق عليها مصطلح «الإبداع المحلي».

 الحقيقة هي أن اليونان تحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد إعادة هيكلة الديون أو حتى التخفيف من أعباء الدين. فإذا كان للشباب في اليونان أن يحظوا بمستقبل في بلادهم، فيتعين عليهم وعلى آبائهم أن يعملوا على تطوير المواقف والمؤسسات، والتخلص من قيم مصالح الشركات الخاصة.

 

* مدير مركز الرأسمالية والمجتمع في جامعة كولومبيا