يعيش العالم موجات هجرة كثيفة لا سابق لها منذ الحرب العالميّة الثانية. وهذه حال السوريين والفلسطينيين والعراقيين والصوماليين والإريتريين وغيرهم اليوم. لكنّ سياسات الحكومات المستقبلة تختلف كثيراً تجاه هذه الهجرات..
كما تختلف ردّات الفعل الشعبيّة. إذ كثيراً ما يُبرِز الرأي العام عدائيّة تجاه المهاجرين، خاصّة في أوقات الأزمات الاقتصاديّة. انّ المهاجرين يأخذون فرص عمل المواطنين، وإنّهم يُثقلون على ميزانيّات الدول، ويعيقون النموّ الاقتصاديّ.
لكنّ تقريراً لمنظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، الذي لا يُمكن التشكيك بأنّ له ميولاً يساريّة، يُبرز أنّ آثار الهجرات على اقتصادات الدول المضيفة أكثر إيجابيّة بكثير ممّا هو متداول. فحول سوق العمل، يشير التقرير أنّه في السنوات العشر الأخيرة شكّل المهاجرون 70% من زيادة قوّة العمل في أوروبا و47% في الولايات المتحدة.
وأنّ معظم هذه الزيادة هي من الشباب الأكثر تعليماً من المواطنين الكاهلين الذين يحالون للتقاعد. هكذا يساهم هؤلاء الشباب بشكل ملحوظ في المجالات الأكثر تقانة ونموّاً (وبينها العلوم والهندسة) كما في المجالات الاقتصادية المتدهورة (الحرف والمهن اليدويّة «الوضيعة» التي لا يريد أحدٌ أن يشغلها). وكذلك ساهمت الهجرات في امتصاص الصدمات الاقتصاديّة عبر خلق حركيّة في سوق العمل.
وبيّن كثيرٌ من الدراسات الجادّة أنّ أثر الهجرات على وتائر النموّ والميزانيات العامّة لم يكن كبيراً. حيث انّ ما يقدّمه المهاجرون من الضرائب والمساهمات الاجتماعيّة يتخطّى في النهاية ما يحصلون عليه. والفقراء منهم يساهمون بشكلٍ أكبر نسبيّاً من أقرانهم المواطنين، أمّا الطبقات الوسطى المهاجرة فمساهمتها تتدنّى بالتحديد لأنّ أجورها متدنيّة بالمقارنة مع قرينتها المواطنة.
وفي الحقيقة تعيد الهجرة التوازن للتوزيع الاجتماعي بين فئة الشباب (الأكثر مساهمة) وبين فئة المسنّين (الأكثر اعتماداً على المساعدات). بالتالي يخلص التقرير أنّه يجب النظر إلى الهجرة أنّها استثمار أكثر منه كلفة.
اللافت أيضاً أنّه قد صدرت دراسات عديدة تقدّر منافع تحرير التجارة وحركة رؤوس الأموال والعمالة على الإنتاجيّة والنموّ. وكلّ هذه الدراسات تتوافق أنّ المنافع من تحرير حركة العمالة أضعاف مضاعفة من منافع حركة التجارة ورؤوس الأموال. بل إنّ التكاليف الحالية للقيود على هجرة العمالة أكبر بكثير من تلك على حركة البضائع ورؤوس الأموال وترهق الميزانيّات الحكوميّة.
من ناحية أخرى، تتخطّى منافع تحرير حركة العمالة الخسارة الاقتصاديّة التي يمكن أن تنتُج عن هجرة الكفاءات، إذا ما بقيت بنسب صغيرة، ما يسمّى «هجرة الأدمغة». بالتحديد لأنّ إمكانيّة هجرة العقول تخلق محفّزاً عامّاً للتعليم النوعيّ في بلد المنشأ، له آثار اقتصاديّة كبيرة.
حتّى أنّ بعض الاقتصاديين يسخرون من تعبير «هجرة الأدمغة» ويشبّهونه بتعبير «التخلّي عن العائلة» في حال انخراط النساء في سوق العمل، ما له أيضاً منافع اقتصاديّة كبيرة. كما يشيرون إلى أنّ «الأدمغة»، كالأطبّاء مثلاً، يتمركزون في العواصم والمدن المركزيّة في البلدان النامية..
ولا يساهمون إلاّ قليلاً في تنمية الأرياف والمناطق الطرفيّة وهي التحدّي الأكبر. وكذلك لا تستفيد البلدان المضيفة حقّاً من هؤلاء الأطبّاء إذ أنّ أنظمتها كثيراً ما تفرض إعادة دراسة الطبّ من جديد قبل ممارسة المهنة.
كذلك تتخطّى منافع حركة العمالة على الاقتصاد الكلّي للبلد المرسل منافع تحويلات المغتربين، بالرغم من أهميّة هذه الأخيرة بالنسبة لاقتصادات البلدان المرسلة. انّها تسرّع في تحسين كافّة عوامل الإنتاج، وخاصّة التقنيّة منها.
كما أنّ الاقتصاديّين ينتقدون النظرة الشائعة الشعبيّة أو السياسيّة عن الآثار السيئة على الاقتصادات المُضيفة للهجرات الخارجيّة الكثيفة.
وأوّل حججهم في ذلك أنّ اقتصادات الدول المتقدّمة قد بُنيَت أصلاً على هجرة كثيفة من الأرياف إلى المدن، أو على هجرات كبيرة إلى مناطق تحتاج إلى اليد العاملة.
ويشيرون إلى أنّ انخفاض الأجور في البلدان المضيفة الذي يتأتّى من الهجرة الكثيفة ضئيل وأقلّ بكثير من ارتفاع الأجور الذي ينتج في البلدان المرسلة. والمثال الواضح على ذلك هو جنوب إفريقيا التي لم تنخفض أجور السكّان البيض فيها حقّاً بعد نهاية التمييز العنصريّ، بالرغم من دخول سوق العمل المعني سكّان سود يفوقون البيض عدداً ستّة أضعاف.
كذلك لم يؤد دخول سكّان أوروبا الشرقيّة سوق العمل في أوروبا الغربيّة إلى انخفاضٍ ملحوظٍ في الأجور، وأيضاً لم ينتج عن انخراط النساء الكثيف في سوق العمل تدنّ لأجور الرجال. كما دحض الاقتصاديّون فكرة أنّ المهاجرين أقلّ إنتاجيّة من المواطنين.
كان الخبراء قد بيّنوا أيضاً أنّ القارة الأوروبيّة تعاني من نقصٍ في اليد العاملة الشابّة المتعلّمة خلال العقود الحاليّة، في حين تفيض البلاد العربيّة بهم. وكذلك أنّ ازدهار أوروبا المستقبليّ وحيويّتها الاقتصادية يعتمدان على قدرتها على جلب موارد من القوّة العاملة الماهرة الضروريّة. في حين تعاني البلدان العربيّة، عدا الخليج، من بطء وتائر خلق فرصٍ للقادمين الجدد إلى سوق العمل.
كي يتحوّل معظم القادمين الجدد إلى التشغيل غير النظامي أو إلى البطالة. وقد لفت الخبراء الأنظار إلى تقارب رقمين: أنّه بين 2005 و2030 سيزيد عدد الذين سيبلغون الـ25 عاماً في البلدان العربيّة بمقدار 321 ألفاً كلّ عام، في حين سينقص عدد هؤلاء في أوروبا 233 ألفاً كلّ عام.
ها هي موجة هجرة بهذا الحجم تتدفّق مؤخّراً إلى أوروبا، خاصّة نتيجة الصراع في سوريا وتداعياته. شعوبٌ تتأثّر لمشهد طفلٍ صريع على شاطئ بعد محاولة هجرة بحريّة بائسة، لم يكن هو الأوّل ولن يكون الأخير. وترفع صوتها على نخبة سياسيّة مكبّلة الأيدي بيمينها الأقصى، لا تجرؤ على قول الحقائق الاقتصادية حول مزايا الهجرة.
الصدمة الإنسانيّة تدفع إلى كسر الحواجز واستقبال المهاجرين ولو بالحدّ الأدنى، في حين تبقى النخبة السياسيّة تتحدّث عن انتقاء المهاجرين. انّه سيتمّ استقبال اللاجئين الإنسانيّين أو أولئك المنتمين إلى هذا المذهب لأنّهم مضطهدون أكثر، وسيتمّ طرد اللاجئين الاقتصاديّين (!). هذا بالرغم من أنّ أعداد الوافدين إلى أوروبا ضئيل جدّاً نسبة لما يتحمّله لبنان أو الأردن وتونس اليوم.
* رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

