الآن، ربما يفصل بيننا وبين إجراء استفتاء على استمرار عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي أقل من عام. وعندما يأتي الموعد فسوف يُطلَب من الناخبين أن يتخذوا قراراً خطيراً. فالقضية لا تدور حول علاقات المملكة المتحدة بجيرانها عبر القناة فحسب، بل وأيضاً مكانتها اللائقة على الساحة الدولية، ومن حسن الحظ أن قِلة في البلاد هم من يؤيدون مفهوم "العزلة الرائعة" العتيق. وسواء ظلت المملكة المتحدة ــ وهي واحدة من أكثر بلدان العالم تطلعاً إلى الخارج ــ أو لم تظل في الاتحاد الأوروبي فإن العولمة تستبعد هذا الخيار.
فبدلاً من ذلك، يميل أنصار الانسحاب من الاتحاد الأوروبي إلى الارتداد إلى تنويعات مشربة بالحنين لماضي بريطانيا الإمبراطوري ــ وأبرزها الفكرة الضبابية الغامضة المتمثلة في "المجال الإنجليزي"، وهو المفهوم الذي يقوم على فكرة ونستون تشرشل للوحدة بين "الشعوب الناطقة باللغة الإنجليزية". ووفقاً لهذه الحجة، فبدلاً من التجارة مع الاتحاد الأوروبي المتصلب المستغرق في الذات، من الأفضل كثيراً تشكيل شراكات ثنائية مع بلدان مثل أستراليا، ونيوزيلندا، وكندا، والولايات المتحدة، والهند، والحجة التي يسوقونها عادة هي التقارب الثقافي ــ وكأن البلدان ذات التاريخ المشترك والثقافة المشتركة والعلاقات مع بقية أوروبا لا تمثل أي شيء. ومع انتشار اللغة الإنجليزية الآن في مختلف أنحاء العالم فإن فكرة المجال الإنجليزي تتحول إلى بناء مصطنع يمكن إخفاء المشاعر المناهضة لأوروبا خلفه.
والفكرة في كل الأحوال غير عملية بكل وضوح. فعلى مدى السنوات الأربعين الماضية، أعادت البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية توجيه اقتصاداتها نحو شريكاتها الإقليمية. فتماماً كما أعادت المملكة المتحدة توجيه نفسها في عام 1973 من خلال الالتحاق بعضوية ما أصبح في ما بعد الاتحاد الأوروبي، غيرت كل من الولايات المتحدة وكندا محورها نحو أميركا اللاتينية وآسيا. والآن أصبح شعار السياسة الخارجية في أستراليا "الإكثار من جاكارتا، والإقلال من جنيف"، والهند مشغولة بمغازلة خصمتها الجيوستراتيجية اللدودة الصين.
لا شك أن هذه البلدان لا تزال تنظر إلى المملكة المتحدة باعتبارها شريكة تجارية. ولكن هذا يرجع في أغلب الأمر إلى أنها تعتبر بريطانيا بمثابة جسر إلى الاقتصاد الأكبر على مستوى العالم: السوق المشتركة للاتحاد الأوروبي. ولم يسبق لأي زعيم ناطق باللغة الإنجليزية (خارج البلاد) أن دعا إلى انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. بل إنهم بدلاً من ذلك يعربون بشكل متكرر عن أملهم في أن تظل لاعباً محورياً في أوروبا المزدهرة والمنفتحة على العالم، وهو الأمر الذي أكده مؤخراً رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما في محادثة مع وزير خارجية المملكة المتحدة ديفيد كاميرون، وإنها لنظرة شديدة الضيق للعالم تلك التي قد تجعل أي شخص يستنتج أن المملكة المتحدة قد تتمكن من رفع مكانتها الدولية بترك الاتحاد الأوروبي. صحيح أن المملكة المتحدة تتمتع بثِقَل كبير عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية؛ فهي على أية حال قوة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ولكن نفوذها العالمي ينبع إلى حد كبير من النفوذ الاستراتيجي الذي توفره عضوية الاتحاد الأوروبي.
لقد حقق الاتحاد الأوروبي العديد من النجاحات البارزة في السياسة الخارجية مؤخراً، وجميعها كانت ضرورية لتعزيز مصالح المملكة المتحدة الوطنية. فقد لعب الاتحاد الأوروبي دوراً مركزياً في التوصل إلى الاتفاق النووي الأخير مع إيران؛ وتوسط في اتفاق لم يكن من المتصور أن يصبح ممكناً بين صربيا وكوسوفو (في الأساس من خلال تدلية جزرة عضوية الاتحاد الأوروبي أمام البلدين)؛ كما قاد الطريق في الرد على العدوان الروسي في أوكرانيا بفرض عقوبات اقتصادية خانقة، والواقع أن الزعم بأن عضوية الاتحاد الأوروبي قوضت قدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة سياستها الخارجية بشكل مستقل لا يصمد أمام التمحيص. فبوصفها بلد عضو، كان بوسع المملكة المتحدة أن تختار مساراً منفرداً في التعامل مع السياسية الخارجية أو تتعاون مع أوروبا على أساس كل حالة على حِدة. وكانت علاقات المملكة المتحدة العميقة والمتوسعة في مختلف أنحاء العالم كافية لإعطائها دوراً كبيراً في تحديد سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية.
من ناحية أخرى، تستفيد المملكة المتحدة من التعاون الدفاعي مع الاتحاد الأوروبي، في حين تحتفظ بالحق في الانتشار العسكري الأحادي الجانب. وتدار جهود مكافحة القرصنة الناجحة التي تركز على منطقة القرن الإفريقي من نورثوود في دائرتي الانتخابية في لندن. وتُعَد الصناعات الدفاعية البريطانية من كبار الموردين للقوات المسلحة في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، وعلى الصعيد الاقتصادي، يتعزز موقف المملكة المتحدة التجاري مع بقية العالم من خلال عضويتها في الاتحاد الأوروبي. إن التفاوض على الاتفاقيات التجارية يستهلك الوقت وكثيراً ما يكون ضيق النطاق، ولكن بفضل السياسة التجارية المشتركة و500 مليون مستهلك يعيشون داخل حدوده يحظى الاتحاد الأوروبي بقوة مساومة هائلة. فمنذ وقع الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية على اتفاقية التجارة الحرة في عام 2011، على سبيل المثال، تضاعفت تجارة الولايات المتحدة الثنائية مع كوريا الجنوبية تقريباً، ولو كانت اتفاقيات التجارة التي يتم التفاوض عليها بشكل فردي الوسيلة الأفضل فإن ألمانيا ــ الدولة المصدرة الأكبر والأكثر نجاحاً في الاتحاد الأوروبي ــ كانت لتفضلها.
عندما يبدأ الناخبون في المملكة المتحدة في النظر في البدائل، فإنهم يحسنون صنعاً إذا تذكروا أن بلادهم لم تعد قوة دولية عظمى كما كانت ذات يوم. وفي وقت حيث لا تزال الأزمة اليونانية بلا حل دائم وحيث لا يزال اقتصاد القارة هشاً، فإن اتخاذ القرار بترك الاتحاد الأوروبي قد يفضي إلى زعزعة استقرار القارة بالكامل ــ وهو ما لا يود أن يراه سوى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أو قادة داعش.
* عضو لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوروبي

