هناك العديد من الأجزاء المتحركة في العملية الانتقالية الشاقة الدائرة في الصين لإقامة ما يسميه زعماؤها مجتمعا ميسور الحال باعتدال. وتحدث التحولات التكتونية بالتزامن على العديد من الجبهات ــ الاقتصاد..

والأسواق المالية، والاستراتيجية الجيوسياسية، والسياسة الاجتماعية. وقد يكمن الاختبار النهائي في إدارة التفاعل شديد التعقيد بين هذه التطورات. تُرى هل ترقى القيادة في الصين إلى قدر هذه المهمة، أم أنها تتصدى لمهمة أعظم من قدراتها؟

إن الخدمات تُعَد في العديد من النواحي البنية الأساسية للمجتمع الاستهلاكي ــ في حالة الصين، توفير المرافق الأساسية، والاتصالات، ومنافذ بيع التجزئة، والرعاية الصحية، والتمويل، وهو ما تطالب به بشكل متزايد الطبقة المتوسطة الناشئة في الصين. وهي أيضاً تتطلب عمالة كثيفة: ففي الصين تطلق الخدمات فرص عمل إضافية بنحو 30% زيادة لكل وحدة من الناتج مقارنة بمتطلبات التصنيع والبناء الكثيفة من رأس المال.

ولهذا السبب، كانت اتجاهات تشغيل العمالة في الصين أفضل كثيراً مما كان متوقعاً في مواجهة التباطؤ الاقتصادي. فقد بلغ نمو فرص العمل في المناطق الحضرية في المتوسط ما يزيد قليلاً على 13 مليون وظيفة في الفترة 2013-2014 ــ وهذا أعلى كثيراً من الملايين العشرة التي استهدفتها الحكومة.

وعلاوة على ذلك، تشير البيانات الخاصة بأوائل عام 2015 إلى أن تشغيل العمالة في المناطق الحضرية يظل قريباً من الوتيرة المبهرة التي تحققت في السنوات الأخيرة ــ ومن المؤكد أن هذا بعيد تماماً عن إجهاد سوق العمل الذي يرتبط عادة بالهبوط الاقتصادي الحاد أو الركود.

والخدمات هي أيضاً العنصر الذي يجعل استراتيجية الصين في التوسع الحضري شديدة الفعالية. فاليوم، يعيش ما يقرب من 55% من سكان الصين في المدن، مقارنة بأقل من 20% في عام 1978.

ولا بد أن ترتفع الحصة إلى 65% إلى 70% على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة. وتعمل المدن الجديدة والمتوسعة على تعزيز النمو من خلال توفير فرص العمل في الخدمات، وهو يعمل بدوره على تعزيز القدرة الشرائية للمستهلك من خلال مضاعفة نصيب الفرد في الدخل إلى ثلاثة أمثاله نسبة إلى نظيره في المناطق الريفية.

لذا، فعلى الرغم من كل مظاهر الضيق الشديد إزاء انهيار الصين، يعمل التحول السريع نحو اقتصاد يقوم على الخدمات على تخفيف الضغوط السلبية في الاقتصاد القديم القائم على التصنيع. وقد أكد صندوق النقد الدولي على نفس النتيجة في مشاوراته الأخيرة مع الصين بشأن المادة الرابعة، مشيراً إلى أن دخل العمل يتوسع الآن كحصة من الناتج المحلي الإجمالي..

وأن الاستهلاك ساهم بقدر أكبر قليلاً مقارنة بالاستثمار في نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2014. وقد يبدو هذا وكأنه تقدم هامشي، ولكنه في واقع الأمر تقدم سريع للغاية مقارنة بالوتيرة شديدة البطء للتغير البنيوي ــ وهي العملية التي بدأت في الصين في عام 2011 مع إصدار الخطة الخمسية الثانية عشرة.

ولكن هناك شرك كبير للأسف. ففي حين كان التقدم على مسار إعادة التوازن الاقتصادي مشجعا، فإن الصين استهدفت ما يتجاوز قدراتها: الخطط المتزامنة لتحديث النظام المالي، وإصلاح العملة، ومعالجة التجاوزات في أسواق الأسهم والديون والعقارات. ومن ناحية أخرى، تلاحق السلطات أيضاً حملة عنيفة لمكافحة الفساد، وسياسة خارجية أكثر عدوانية، والإحياء القومي استناداً إلى «حلم الصين».

من عجيب المفارقات أن لعبة التوازن التي تمارسها الصين ربما تثبت كونها أكثر صعوبة من أن تتمكن السلطات من إتقانها في ظل نظام قائم على السوق وموجه نحو المستهلك. ويبدو أن الحكومة التي وجدت نفسها حبيسة عملية الانتقال من نموذج توجهه الدولة وتسيطر عليه بإحكام باتت تدور حول نفسها ــ على سبيل المثال، من خلال التأكيد على التحول الحاسم للأسواق، فقط لكي تتدخل بقوة عندما تسجل أسعار الأسهم هبوطاً حادا.

وعلى نحو مماثل، تتبنى السلطات المزيد من نظام الصرف الأجنبي القائم على السوق في حين تدفع الرنمينبي إلى الانخفاض عمدا، أضف إلى هذا التعهد بإصلاح الشركات المملوكة للدولة الذي بدأ ثم توقف..

وسوف يتبين لك أن الصين ربما تجد نفسها دون قصد غارقة في شيء أشبه بما أسماه مينشين باي منذ فترة طويلة «الانتقال الحبيس»، حيث تُحبَط استراتيجية الإصلاح الاقتصادي بفِعل الافتقار إلى الإرادة السياسية في دولة الحزب الواحد.

تحت قيادة الرئيس شي جين بينغ، لا يوجد افتقار إلى الإرادة السياسية في الصين اليوم. ويتمثل التحدي الآن في تحديد أولويات هذه الإرادة على النحو الكفيل بإبقاء الصين على المسار إلى الإصلاح وإعادة التوازن. وأي تراجع على هذه الجبهات من شأنه أن يقود الصين إلى ذلك الفخ الذي أعرب مينشين باي لفترة طويلة عن خشيته من أن يكون حتميا.

كانت التنمية الاقتصادية تشكل دوماً تحدياً رهيبا. وكما تؤكد التحذيرات بشأن «فخ الدخل المتوسط»، فإن التاريخ عامر بإخفاقات أكثر من النجاحات في الدفع إلى ما وراء عتبة نصيب الفرد في الدخل التي حققتها الصين. إن آخر ما تحتاج إليه الصين الآن هو أن تحاول موازنة حمل أثقل مما ينبغي على رأس دبوس. ويتعين على قادتها أن يعملوا على تبسيط وتوضيح الأجندة التي قد تصبح أشد تعقيداً من أن يتمكن أحد من إدارتها.

 

* عضو هيئة التدريس في جامعة ييل، والرئيس السابق لبنك مورغان ستانلي في آسيا