أمضى أحد المهندسين الرئيسيين لمشروع الاتحاد الأوروبي، وهو جان مونيه الدبلوماسي والاقتصادي الفرنسي، قسماً كبيراً من زمن الحرب العالمية الثانية في واشنطن العاصمة، باعتباره مفاوضاً عن الحلفاء الأوروبيين.
وبعد هزيمة ألمانيا كان على اقتناع تام بأن أوروبا الموحدة هي فقط القادرة على منع اندلاع حرب أخرى مدمرة في الغرب. ولقد كتب في مذكراته: «لن يكون هناك سلام في أوروبا إذا أعيد بناء الدول على أساس السيادة الوطنية».
كان مونيه تكنوقراطياً بالمولد، وكان كارهاً للصراع السياسي حتى إنه كاد يقيم للوحدة صنماً يعبده. (في عام 1940، عندما بدا هتلر وكأنه لا يُقهَر، اقترح مونيه على ونستون تشرشل أن فرنسا وبريطانيا من الممكن أن يتحولا إلى بلد واحد).
ومثله كمثل كل التكنوقراط، كان مونيه أيضاً مُخطِّطاً بالفطرة. وفي هذه أيضاً كان رجل عصره. فكان العديد من الناس يعتقدون قبل الحرب بالفعل أن الاقتصادات والمجتمعات لا بد أن تُخَطَّط وتوجه قدر الإمكان. وكانت «الصفقة الجديدة» التي تحدث عنها فرانكلين روزفلت مثالاً لهذه الفكرة؛ وكذلك كانت فكرة الدولة الفاشية، ولو من منظور شرير. وكذلك الصين، التي حكمها مهندسون وغيرهم من التكنوقراط المجهولين.
وكانت الفكرة المثالية لأوروبا الموحدة في مرحلة ما بعد عام 1945 أشبه بنموذج بدائي للمدينة الفاضلة التكنوقراطية. ومن المؤكد أنها كانت في نظر مونيه وغيره من مؤسسي أوروبا ما بعد الحرب فكرة حميدة، بل ونبيلة. ولكن المشكلة مع التكنوقراط هي أنهم يميلون إلى الغفلة عن العواقب السياسية التي قد تترتب على خططهم. وهم يتصرفون وكأن السياسة لا وجود لها أو كأنها لا تشكل أي أهمية.
لقد بلغت المدينة الفاضلة التكنوقراطية أقصى مدى. وقد يكون في الاتحاد المالي ــ الذي يشكل وحدة مفروضة ــ الحل العقلاني للأزمة المالية الحالية، ولكنه الحل التكنوقراطي الذي لن يفعل أي شيء لجعل أوروبا كياناً أكثر ديمقراطية، بل إنه سوف يستفز على الأرجح ردود أفعال متطرفة.
* أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان في كلية بارد