حقق علم الوراثة تقدماً كبيراً، وبشكل خاص نتيجة لمشروع الجينوم البشري العالمي، الذي نجح في عام 2003 في تحديد كل الجينات البشرية (23 ألف جين تقريبا) وثلاثة مليارات زوج من القواعد الكيميائية في الحمض النووي البشري من أجل الكشف عن العديد من الأمراض النادرة.
ولكن على الرغم من الأدلة التي تشير إلى أن أغلب الأمراض تحمل عنصراً جينياً واضحاً، فإن جزءاً ضئيلاً فقط من الجينات التي تفسر هذه الأمراض تم التوصل إليها. ويظل العلماء في هذا المجال في حيرة من أمرهم إزاء حقيقة مفادها أن أغلب التوائم المتطابقة (يشترك التوائم في 100% من الجينات) لا يموتون بنفس الأمراض.
ولكن من السابق للأوان أن نستبعد علم الوراثة، لأن علم «التغيرات الوراثية اللاجينية» ــ دراسة آليات تشغيل الجينات وتعطيلها، وبالتالي تغيير الطريقة التي تتطور بها الخلية من دون تغيير الشفرة الجينية ــ بدأ يكتسب ثِقَلاً جديداً. بل إن جائزة نوبل في الطب لعام 2012 ذهبت إلى جون جوردون وشينيا ياماناكا بسبب الثورة التي أحدثاها في فهم العلماء للكيفية التي تتطور بها الخلية من خلال إعادة برمجة الحمض النووي والخلايا دون تغيير بنيتها الجينية.
ولنتأمل هنا مرض سرطان الرئة. قبل ستة عقود، عندما كان أغلب الرجال يدخنون، ربط أطباء بريطانيون بين التدخين وسرطان الرئة، ليصبح بذلك التدخين أول مرض تقام علاقة سببية بينه وبين التدخين. (الواقع أن سرطان الرئة يقتل واحداً من بين كل عشرة مدخنين).
وقد تساعد عمليات التغير الوراثي اللاجيني التي تتسبب في تعطيل جينات مضادة للسرطان، مثل الجين الكابح للأورام «بي 16»، في تفسير زيادة انتشار سرطان الرئة. وقد أظهرت دراسة حديثة أن بضع سنوات من التدخين قد يكون لها هذا التأثير، الأمر الذي يجعل المدخنين أكثر عُرضة لمجموعة متنوعة من أنواع السرطان.
*أستاذ علم دراسة التغيرات الوراثية اللاجينية في كينجز كوليدج في لندن.