النظرية «القديمة» حول التفاوت بين الناس كانت تتلخص في أن عملية إعادة التوزيع من خلال النظام الضريبي تسببت في إضعاف الحوافز وتقويض النمو الاقتصادي. ولكن العلاقة بين التفاوت والنمو أكثر تعقيداً وتعدداً للأبعاد مما قد توحي به هذه المفاضلة البسيطة. ذلك أن قنوات التأثير وآليات المردود المتعددة تجعل التوصل إلى استنتاجات نهائية أمراً صعباً.

على سبيل المثال، الولايات المتحدة والصين هما الاقتصادان الرئيسيان الأسرع نمواً اليوم. وكل منهما لديه مستويات عالية متماثلة ومتزايدة الارتفاع من التفاوت في الدخل. ورغم أننا لا ينبغي لنا أن نستنتج من هذا عدم وجود ارتباط بين النمو والتفاوت أو أن الارتباط بينهما إيجابي، فإن التصريح المطلق بأن التفاوت ضار بالنمو لا يتفق حقاً مع الحقائق.

وعلاوة على ذلك، فإن التفاوت بالأرقام العالمية كان في تراجع مع ازدهار البلدان النامية ــ حتى برغم تزايده داخل العديد من البلدان المتقدمة والنامية. وقد يبدو هذا متناقضاً مع البديهة ولكنه منطقي. ذلك أن الاتجاه السائد في الاقتصاد العالمي هو عملية التقارب التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية. ولأول مرة، شهدت حصة كبيرة من 85% من سكان العالم الذين يعيشون في البلدان النامية نمواً حقيقياً سريعاً ومستداماً.

وهناك روابط أخرى بين التفاوت والنمو. فارتفاع مستويات التفاوت في الدخل والثروة (كما هي الحال في قسم كبير من أميركا اللاتينية وأجزاء من إفريقيا) يؤدي غالباً إلى تفاوت النفوذ السياسي ويعززه. وبدلاً من السعي إلى توليد أنماط شاملة من النمو، يسعى صناع السياسات إلى حماية الثروة والمزايا الريعية التي يتمتع بها الأثرياء.

الواقع أن العواقب المترتبة على اتساع فجوة التفاوت قد تغري صناع السياسات بسلوك مسار بالغ الخطورة: اللجوء إلى الاستدانة، وهو ما يأتي في بعض الأحيان مصحوباً بفقاعة أصول، لدعم الاستهلاك. ويُقال إن هذا هو ما حدث في عشرينيات القرن العشرين، قبيل اندلاع أزمة الكساد الأعظم.

 

* حائز جائزة نوبل في علوم الاقتصاد