إن أغلب البلدان الغنية الآن أصبح لديها الملايين من «الفقراء العاملين» الذين لا تكفيهم أجورهم التي يحصلون عليها من وظائفهم للبقاء فوق خط الفقر، ومن ثم فإن هذه الأجور لا بد أن تكون مدعومة من قِبَل الدولة. وتأخذ هذه الإعانات هيئة الإعفاءات الضريبية.

الواقع أن الفكرة قديمة للغاية. فقد نفذت إنجلترا قانون «سبينهاملاند» ــ وهو شكل من أشكال الإعانة التي يتم تسليمها إلى الفقراء في أماكنهم بهدف التعويض عن ارتفاع أسعار الخبز ــ أثناء حروب نابليون. وفي عام 1795، صرحت سلطات سبينهاملاند، وهي قرية في بيركشاير، بإضافات تكميلية متدرجة للأجور وفقاً لاختبار سبل العيش. وكانت هذه الأجور التكميلية التي تتلقاها الأسر تتفاوت وفقاً لعدد أطفال الأسرة وأسعار الخبز.

ولكن هذا البرنامج كان موضع انتقادات، لأنه سمح لأصحاب العمل بإعطاء العاملين لديهم أجوراً أقل من الكفاف ما دام دافعو الضرائب يتحملون الفارق. وفي عام 1834، حل محل نظام سبينهاملاند قانون الفقراء الجديد الذي كانت المساعدات التي قدمها مقتصرة على بيوت البِر، في ظل شروط مشينة بالقدر الكافي لإرغام الناس على العودة إلى سوق العمل.

ثم في القرن العشرين، أعيد إحياء مبدأ سبينهاملاند ــ وبواسطة الليبرالي المناصر للسوق الحرة ميلتون فريدمان بطبيعة الحال. ففي عام 1962 اقترح فريدمان «ضريبة الدخل السلبية». وبمقتضى هذه الضريبة، كان الأشخاص الذين يكسبون أقل من عتبة معينة يتلقون دخلاً تكميلياً إضافياً من الحكومة، بدلاً من سداد الضرائب لها. وكانت الفكرة تتلخص في إخراج الناس من نظام الإعانات الحكومية وحملهم على العودة إلى العمل. وقد تم تطبيق هذه الضريبة تحت مسمى الإعفاء الضريبي عن الدخل المكتسب في الولايات المتحدة والإعفاء الضريبي للأسر العاملة في المملكة المتحدة.

وفي الوقت نفسه، كانت هناك محاولات لرفع مستوى الدخل المكتسب من خلال استنان تشريع الحد الأدنى للأجور. ولكن الحد الأدنى للأجور لم يصل قَط إلى الأرضية المحددة للدخل «الملائم للحياة»، ومن ثم لم يعمل على خفض فاتورة إعانات الأجور بشكل ملموس.

في عام 2008، كانت نحو 5.5 ملايين أسرة عاملة في المملكة المتحدة تتلقى الإعفاءات الضريبية، بما في ذلك إعفاءات العمل والطفولة، ومزايا السكن، ومزايا الضريبة المحلية. ثم خفضت سياسات التقشف هذا العدد إلى 4.3 ملايين مواطن. ولأن عدد الأسر العاملة في المملكة المتحدة كان 11.4 مليون أسرة في عام 2012، فإن هذا يعني أن 38% لم يتلقوا «أجراً ملائماً للحياة». أو بعبارة أخرى: لم تكن أجور موازنة السوق قادرة على توفير دخل ملائم للحياة لنحو 38% من الأسر العاملة، وهؤلاء هم «الفقراء العاملون».

في إعلان الموازنة في الثامن من يوليو، اقترح وزير الخزانة جورج أوزبورن خفض 12 مليار جنيه استرليني (18.6 مليار دولار أميركي) من فاتورة الرعاية الاجتماعية على مدى السنوات الأربع المقبلة كجزء من خطته لخفض العجز. ومن هذا المبلغ، يفترض أن تأتي 9 تريليونات جنيه إسترليني من خفض الإعانات الضريبية المقدمة للأسر العاملة.

وللتعويض عن هذا الخفض، اقترح أوزبورن زيادة الحد الأدنى للأجور من 6.50 جنيهات لكل ساعة عمل إلى 9 جنيهات إسترليني للفترة نفسها. وسوف يقع عبء الزيادة على أرباب العمل، وليس الخزينة العامة، وعلى هذا فإن الخفض في الإعفاءات والمزايا يمثل صافي الربح لخزانة صاحبة الجلالة. وقد خلص تحليل أجرته مؤسسة الدراسات المالية والضريبية إلى أنه في حين قد توفر الخزانة 12 تريليون جنيه إسترليني، فإن الزيادة الإجمالية في الأجور من أعلى حد أدنى للأجور تعادل 4 مليارات جنيه إسترليني فقط.

ولكن حتى لو تم رفع الحد الأدنى للأجور بالقدر الكافي للتعويض عن انسحاب الإعفاءات الضريبية، فإن تحويل المزيد من تكلفة اليد العاملة من دافعي الضرائب إلى أرباب العمل استراتيجية خاطئة، والسبب أن العمل بالنسبة إلى العديد من الناس ــ وربما أغلبهم ــ سوف يصبح مصدراً متدهوراً للدخل.

وعلى أية حال، هناك تنبؤ واحد يمكننا أن نعتمد عليه بثقة، وهو أن التشغيل الآلي سوف ينتهك بشكل متزايد عالم العمل البشري. إن ما قد يصل إلى 50% من الوظائف الحالية ربما يكون عُرضة للخطر في السنوات العشرين المقبلة. وهو على الأقل سؤال مفتوح ما إذا كان من الممكن خلق وظائف جديدة لكي تحل محلها، أو في واقع الأمر ما إذا كان من المرغوب أن نستمر في إنتاج المزيد والمزيد من المنتجات لمجرد توفير فرص العمل البشري بأجور متزايدة الانكماش.

مع حلول الروبوتات محل العمل البشري على نحو متزايد، سوف يحتاج البشر إلى دخول تحل محل الأجور من العمل. وفي حين تشير الإعفاءات الضريبية في اتجاه الدخول البديلة، فإن رفع الحد الأدنى للأجور يشير في الاتجاه المعاكس، من خلال جعل الدخل أكثر اعتماداً على الوظائف. ويكاد يكون من المؤكد أن التركيز على الحد الأدنى للأجور سوف يعمل على تسريع وتيرة عملية التحول إلى التشغيل الآلي.

باختصار، إذا كان أوزبورن جاداً بشأن تعهده بتوفير «الدخل الملائم للحياة» للجميع، فينبغي له أن يتحرك في اتجاه فكرة الدخل «الأساسي» أو دخل «المواطن»، بشكل مستقل عن سوق العمل. وتتلخص طريقة بسيطة للتقدم على هذا المسار في تزويد كل المواطنين بإعفاء ضريبي غير مشروط، ومن الممكن أن يتراكم هذا الإعفاء تدريجياً كمكافآت عن انحدار العمل.

 

* عضو مجلس اللوردات البريطاني، وأستاذ علوم الاقتصاد السياسي الفخري في جامعة وارويك.