قيل نقلا عن الكاتب من فيينا ستيفان زويج «البرازيل هي بلد المستقبل وسوف تكون كذلك دائما» كما ان السياسة الوسطية في اميركا اللاتينية كانت على الدوام تلوح في الافق حتى هذه اللحظة.
بالنسبة للغرباء فإن المنطقة مرادفة تقريبا للاستقطاب السياسي فصورة رجال العصابات الذين يرتدون الملابس العسكرية والساسة الشعبويين والقادة العسكريين الرجعيين كانت اكبر من صورة الساسة المعتدلين الذين يرتدون بدلات رسمية مملة.
لكن اميركا اللاتينية لديها تاريخ طويل من المصلحين الليبراليين الوسطيين ففي القرن التاسع عشر اجتهد الليبراليون في فصل مؤسسات الدولة الوليدة عن تلك المرتبطة بالكنيسة الكاثوليكية، وفي الثلاثينيات بنى سياسيو اليسار المعتدل بعد الخراب الذي حصل بالمنطقة نتيجة للكساد العظيم بدايات دولة الرعاية الحديثة، ولذلك فالاستقرار الاقتصادي مع ازدهار في السلع لمدة عقد من الزمان اعطى اميركا اللاتينية طفرة في النمو وعلى الرغم من عدم القدرة على استدامة النمو عندما ضعفت اسعار البضائع كما هو الحال الآن استمر النمو مع السياسات الاجتماعية المعززة برفع دخول العائلات وخفض الفقر وجعل الطبقة المتوسطة تتضخم.
ان العائلة من الطبقة المتوسطة اليوم والتي تعيش في ضواحي بوغوتا أو مونتيفيديو أو ساو باولو او سانتياغو لديها معدل دخل اقل بكثير بالدولار مقارنة بنظيراتها في اميركا الشمالية او اوروبا ولكن من المرجح ان تعيش تلك العائلة في منزلها (والذي اشترته برهن مصرفي) ولو لم تشتر سيارة فإنها سوف تشتري واحدة عاجلا وليس آجلا والاطفال لديهم فرصة افضل للذهاب الى الجامعة.
ان اعضاء الطبقة المتوسطة الجديدة يعانون من الجودة المتواضعة للخدمات العامة (وخاصة الصحة والتعليم) ويشعرون بالضيق من انعدام الامان الوظيفي كما انهم يشعرون بالغضب الشديد من انتشار التمييز في سوق العمل ومن الازدحام المروري والجريمة ولكن نظرا لأنهم يكافحون من اجل تأمين لقمة عيشهم فإن مواطني الطبقة المتوسطة لا يصبرون كثيرا على القادة الذين يتسببون بارتفاع شديد في التضخم واسعار الفائدة، ان اولاد الطبقة المتوسطة عادة ما يحتجون في الشوارع وذلك كما فعلوا في التشيلي سنة 2011 للشكوى من التعليم وفي البرازيل سنة 2013 للاحتجاج على تصاعد اجور الحافلات ولكن النقاد من اليسار التقليدي يخطئون عندما يدعون ان مثل هذه الاحتجاجات تستهدف الاطاحة بالنموذج الاقتصادي. ان العديد من المشاركين في تلك المسيرات يريدون ببساطة من النظام ان يفتح ابوابه وان يدعهم يدخلون.
اذا نظرنا الى الوراء فإن من الامثلة الرئيسة للفترتين الرئاسيتين لفرناندو هنريكه كاردوسو في البرازيل وفترة العشرين سنة (1990-2010) من حكومات تحالف الاحزاب من اجل الديمقراطية في التشيلي. ان الادارات البيروفية الاخيرة قد حكمت جميعها من الوسط وحتى لو انها قامت بذلك باساليب خطابية وشعارات حزبية مختلفة. أما في كولومبيا فإن لادارة الرئيس خوان مانويل سانتوس تاريخا في يمين الوسط ولكنها رفعت الضرائب وطبقت اجندة اصلاح يحلو لبعض من وزرائها ان يطلقوا عليها «الديمقراطية الاجتماعية».
ان من الممكن في المستقبل القريب ان يصل سياسيون من الوسط الاصلاحي للسلطة في دولتين من اضخم دول اميركا اللاتينية ففي الارجنتين فإن حزب عمدة بيونس ايريس ماريسو مارسي والذي كان حزبا محافظا وقويا فقط في العاصمة انتقل الى الوسط السياسي والى الاقاليم من خلال تحالفه مع حزب يسار الوسط الحزب الراديكالي، أما في البرازيل ففي العام الماضي كاد حزب كاردوسو الاجتماعي الديمقراطي بزعامة ايسيو نيفيس ان يهزم الرئيسة الحالية ديلما روسيف ولو اقيمت الانتخابات اليوم فإن نيفيس أو غيره من المرشحين المعقولين من حزبه كانوا سيفوزون بسهولة. لو استطاعت روسيف والتي تعاني من الفضائح والاقتصاد المتوقف اكمال فترة رئاستها فإن من المتوقع ان يفوز الحزب الاجتماعي الديمقراطي بعد ثلاث سنوات من الآن.
يتوجب على القادة الوسطيين من اجل اغتنام هذه الفرص ان يتغلبوا على ثلاثة تحديات على الاقل. اولا، يجب ان يوسعوا من نفوذهم على حساب الشعبويين وذلك بتنفيذ اصلاحات تحقق فوائد قصيرة المدى. ان اعانات العمل للعاطلين عن العمل من النساء والشباب وتحسين النقل العام والقيام باجراءات فعالة لمكافحة الجريمة هي كلها اجراءات تعزز العدالة والفعالية اليوم.
ثانيا، يجب ان يستمر المصلحون الليبراليون في القيادة عندما يتعلق الامر بقضايا بارزة على نحو متزايد مثل البيئة ومكافحة التمييز والمساواة في الزواج واصلاح السياسة المتعلقة بالمخدرات وهي قضايا لا يقدر السياسيون من اليسار واليمين التقليدي على التعامل معها ولكن يجب ان يقوموا بذلك بطريقة تحظى بقبول مجموعة واسعة من الناخبين وليس فقط من النخب التي تلقت تعليما رفيعا.
واخيرا وليس آخرا يتوجب على الديمقراطيين الذين يملكون توجهات اصلاحية قيادة عملية اصلاح الديمقراطية نفسها، فالمواطنون اصبحوا على نحو متزايد يتشككون في السياسيين والبرلمانات والاحزاب السياسية وهذه اخبار سيئة بالنسبة للمواطنين وليس فقط للسياسيين. ان قيام المصلحين الوسطيين بقيادة الهجوم من اجل تنشيط الديمقراطية يعني ان بإمكانهم الاستفادة من افضل التقاليد الليبرالية للقرنين التاسع عشر والعشرين وذلك من اجل التحقق من نجاح اميركا اللاتينية في الالفية الجديدة.
* يعمل حالياً أستاذاً للممارسة المهنية في التنمية الدولية وذلك في جامعة كولومبيا
