بعد أشهر من المشاحنة والجدال، انتهت المواجهة بين اليونان ودائنيها الأوروبيين إلى مواقف متحفظة بشأن معاشات التقاعد والضرائب. فاليونان ترفض الإذعان إلى مطالبة الدائنين لها بخفض المدفوعات لكبار السن وزيادة ضريبة القيمة المضافة على أدويتهم واستهلاكهم للكهرباء.
الواقع أن مطالب أوروبا ــ التي تهدف ظاهرياً إلى ضمان قدرة اليونان على سداد ديونها الأجنبية ــ فظة وساذجة ومدمرة للذات بشكل جوهري. وفي رفض هذه المطالب، لا يمارس اليونانيون الألاعيب؛ بل إنهم يحاولون البقاء على قيد الحياة.
الواقع أن الظروف في اليونان اليوم تذكرنا بالظروف في ألمانيا في عام 1933. بطبيعة الحال، ليس هناك ما يدعو الاتحاد الأوروبي إلى الخوف من صعود هتلر يوناني، ليس فقط لأنه قادر على سحق مثل هذا النظام بسهولة، بل وأيضاً لأن الديمقراطية في اليونان ــ وهو الأمر الأكثر أهمية ــ أثبتت نضوجها بشكل لافت للنظر طيلة فترة الأزمة. ولكن هناك ما ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يخشاه: الفقر المدقع داخل حدودها والعواقب الخبيثة المهلكة التي سوف تتحملها السياسة في القارة ومجتمعها.
من المؤسف أن القارة لا تزال منقسمة على أسس قَبَلية. فالألمان، والفنلنديون، والسلوفاك، والهولنديون، ــ بين آخرين ــ لا وقت لديهم للاكتراث بمعاناة اليونانيين. إذ يهتم قادتهم السياسيون بأمور بلدانهم، ولا يبالون بأوروبا بأي حال من الأحوال. وتُعَد مسألة إغاثة اليونان قضية مشحونة بالتوترات بشكل خاص في البلدان حيث أصبحت أحزاب أقصى اليمين في صعود أو حيث تواجه حكومات يمين الوسط احتجاجات شعبية من اليسار.
من المؤكد أن الساسة الأوروبيين ليسوا غافلين عن ما يحدث في اليونان. ولم تكن مواقفهم سلبية بالكامل، وبدلاً من مواجهة العقبات السياسية، يختبئ زعماء أوروبا خلف جبل من الخطاب المتظاهر بالورع والخالي من أي مغزى: فيصر البعض على إنهاء اليونان لبرنامج السداد، بصرف النظر عن العواقب الإنسانية والاقتصادية ــ ناهيك عن فشل كل حكومات اليونان السابقة في تلبية شروط البرنامج. ويتظاهر آخرون بالقلق إزاء المخاطر الأخلاقية المترتبة على تخفيف أعباء الديون، برغم حقيقة مفادها أن ديون القطاع الخاص في البلاد تم شطبها بالفعل بإصرار من الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن العشرات، إن لم يكن المئات، من سوابق إعادة هيكلة ديون الدول السيادية المعسرة.
قبل ما يقرب من قرن من الزمان، عندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، أطلق جون ماينارد كينز تحذيراً يتصل اتصالاً شديداً بالحال اليوم. فآنذاك، كما هي الحال الآن، كانت الدول الدائنة (الولايات المتحدة في الأساس) تطالب البلدان المثقلة بالديون باحترام التزامات الدين. وقد أدرك كينز أن المأساة وشيكة.
ففي كتابه «العواقب الاقتصادية للسلام» تساءل كينز: «هل تكون شعوب أوروبا الساخطة على استعداد لجيل قادم لتنظيم حياتها بحيث يصبح جزء ملموس من إنتاجها اليومي متاحاً لسداد ديون أجنبية؟ باختصار، أنا لا أعتقد أن أياً من هذه الإتاوات ستظل تُدفَع لأكثر من بضع سنوات في أفضل تقدير».
والآن يبدو أن العديد من البلدان الأوروبية راضية بإرغام اليونان على التخلف الصريح عن سداد ديونها واستحضار خروجها من منطقة اليورو. وهم يعتقدون في إمكانية احتواء التداعيات من دون ذعر أو انتقال للعدوى. وهذه صورة نموذجية للتفكير القائم على التمني بين الساسة. الواقع أنه ذلك النوع من الغفلة التي قادت وزير الخزانة الأميركي هانك بولسون إلى السماح بانهيار ليمان براذرز في سبتمبر 2008، لسبب ظاهري يتمثل في تلقين السوق «درس». وكان الدرس قاسياً حقاً؛ فحتى الآن لا نزال نناضل للخروج من البئر العميقة التي انزلقنا إليها بسبب خطأ بولسون الجسيم.
واليوم، يبدو أن دائني اليونان في أوروبا على استعداد للتخلي عن تعهداتهم الرسمية بعدم جواز التراجع عن اليورو بإصرارهم على جمع بعض الفتات من أصحاب المعاشات في اليونان. وإذا ألحوا في مطالباتهم فاضطروا اليونان إلى الخروج من منطقة اليورو فلن يثق العالم بعد ذلك أبداً في طول عمر اليورو. ففي أقل تقدير، سوف يخضع أعضاء منطقة اليورو الأكثر ضعفاً لضغوط متزايدة من قِبَل السوق. وفي أقصى تقدير، سوف تضربهم حلقة مفرغة جديدة من الذعر والتكالب على البنوك لاسترداد الودائع، وهذا يعني أيضاً عرقلة التعافي الأوروبي الوليد. ومع اختبار روسيا لعزيمة أوروبا في الشرق، فإن هذه المقامرة الأوروبية تأتي في توقيت هو الأسوأ على الإطلاق، كانت الحكومة اليونانية محقة عندما رسمت خطاً فاصلاً. فهي مسؤولة أمام مواطنيها. والواقع أن الاختيار الحقيقي، لا يقع على كاهل اليونان، بل على كاهل أوروبا.
* أستاذ التنمية المستدامة، وأستاذ السياسات الصحية والإدارة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا. وهو أيضاً المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الأهداف الإنمائية للألفية
