ان الرئيس الأميركي باراك أوباما لا يزال يضغط من اجل الحصول على سلطة الترويج للتجارة واستخدامها من اجل اختتام المفاوضات المتعلقة باتفاقية بالشراكة عبر الهادي واتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي مع الاتحاد الأوروبي، ولكن العديدين في الكونغرس الأميركي يصرون على ان يتم إضافة أحكام لتلك الاتفاقيات تمنع التلاعب بالعملة.
دعونا نكون واضحين فلو أصرت الولايات المتحدة الأميركية على تضمين «ضوابط قوية ويمكن تطبيقها فيما يتعلق بالعملة» في الاتفاقيات ، فلن يتم التوصل الى اية صفقات فالدول الأخرى سوف ترفض ومعها الحق في ذلك فربط الجهود لمنع التلاعب بالعملة بالاتفاقيات التجارية هي فكرة سيئة في الماضي والحاضر.
ان الشرط الضروري للاستنتاج أن بلدا ما يتلاعب بالعملة هو ان سلطاتها تتدخل في سوق الصرف الأجنبي.
إن بنك الشعب الصيني على سبيل المثال اشترى كمية قياسية من الدولارات من 2004 الى 2014 مما منع سعر صرف العملة الصينية من الارتفاع بالسرعة المتوقعة لو لم يقم البنك بعمل ذلك. لكن الصينيين توقفوا عن عمل ذلك بل انهم كانوا يبيعون الدولارات طيلة العام الماضي مما أبقى قيمة العملة الصينية أعلى مما كان يمكن ان تكون.
ان هناك عادة أسبابا شرعية للتدخل في أسواق الصرف الأجنبي فعلى سبيل المثال وبموجب اتفاق بلازا انضمت الولايات المتحدة الأميركية الى اليابان وألمانيا وغيرها من الدول السبع الكبرى سنة 1985 من اجل التدخل بشكل تعاوني لإضعاف الدولار. ان معظم الدول إما أن تطبق سعر صرف ثابتا أو أهداف سعر الصرف او تدير عملية التعويم وكل هذه الأمور تنطوي على بيع وشراء العملات الاجنبية من اجل إضعاف او إزالة تقلبات سعر الصرف.
ان الصين ليست عضوا في الشراكة عبر الهادي ولكن اليابان عضوٌ في تلك الشراكة والعديد من النقاد في الكونغرس يضعونها كهدف لهم عند إصرارهم على تضمين الصفقة أحكاماً تتعلق بمنع التلاعب بالعملة.
لقد انخفضت قيمة الين بشكل كبير خلال السنة الماضية وبعض المصالح الاقتصادية الأميركية وخاصة صناعة السيارات تتهم اليابان بالتلاعب من اجل الإبقاء على عملتها مقومة بشكل اقل من قيمتها الحقيقية، ولكن آخر مرة تدخل فيها بنك اليابان في سعر الصرف الأجنبي كان في سنة 2011 وفي سنة 2013 انضمت اليابان الى دول أخرى من مجموعة السبع الكبرى في الموافقة على اقتراح تقدمت به الخزانة الأميركية للامتناع عن التدخل في الصرف الأجنبي.
ان النقاد الذين يتهمون اليابان وغيرها من البلدان بالتلاعب بالعملة من المفترض انهم يعلمون أن تلك الدول لم تتدخل في سوق الصرف الأجنبي في السنوات الأخيرة، وعوضا عن ذلك يشيرون بشكل عام الى تخفيف السياسة النقدية مؤخرا.
إن الأضرار الجانبية المتوقعة للتخفيف الكمي - أي شراء السندات المحلية - من قبل بنك اليابان والبنك المركزي الأوروبي هو انخفاض قيمة الين واليورو ولكن لا يمكن ان نمنع البنوك المركزية من تخفيف السياسة النقدية عندما تستوجب ذلك الظروف الاقتصادية المحلية كما كان الحال عليه في اليابان وأوروبا (وفي الولايات المتحدة الأميركية عندما تبنى الاحتياطي الفيدرالي التخفيف الكمي).
لو ان التوسع النقدي لا يستوجب تهمة التلاعب بالعملة فإن الأنواع الأخرى من السياسات الاقتصادية تعمل ما هو اقل من ذلك . لقد جادل البعض انه بالرغم من ان بنك الشعب الصيني قد توقف عن شراء الأصول الأميركية وغيرها فإن صناديق الثروات السيادية الصينية لا تزال تقوم بذلك وهذا يعتبر تلاعبا أيضا.
لكن من الأمور المنطقية والمشروعة بالنسبة للصين ان تضع بعضا من مدخراتها في الخارج (سوف تشعر الولايات المتحدة الأميركية بالقلق لو لم ترغب الصين وغيرها من البلدان بشراء أصولها).
كل بلد يقوم باتخاذ قرارات مختلفة تتعلق بالسياسة كل اسبوع والعديد من تلك السياسات من المتوقع ان يكون لها تأثير غير مباشر على سعر الصرف باتجاه او بآخر. إن سياسة معينة يمكن ان تضعف العملة لا تجعل ذلك البلد متلاعبا.
أخيرا، ان الأحكام التي تستهدف البنوك المركزية الأخرى يمكن أيضا تطبيقها ضد الولايات المتحدة الأميركية والحالة هنا لن تكون إساءة استخدام أداة (حالة متكررة في السياسة التجارية وذلك عندما تضغط مجموعات المصالح للحماية ضد المنافسة الأجنبية) بل استخدام الأداة بالطريقة المقصود منها بالضبط.
ان من المفيد ان نضع ذلك بعين الاعتبار وذلك نظراً لأن قيام الاحتياطي الفيدرالي بتبني التخفيف الكمي سنة 2008 (والذي استمر في تطبيقه حتى العام الماضي) كان له تأثير في إضعاف الدولار من 2009 الى 2011 مما أثار نفس الاتهامات بتبني الولايات المتحدة الأميركية لسياسات على حساب جاراتها وهي نفس الاتهامات التي يوجهها أعضاء الكونغرس ضد الآخرين الآن.
ان مثل هذه الاتهامات دائما ما تكون على ارضية مهزوزة بغض النظر عن اصلها. ان التحفيز النقدي في بلد ما يمكن ان يكون مفيدا لبقية العالم، حيث ان استعادة نمو الدخل فيه يعزز الواردات من شركائه التجاريين. عندما ينظر المرء الى الاتهامات بالتلاعب في العملة ضد الولايات المتحدة الأميركية سنة 2010 أو شركائها التجاريين سنة 2015 أو أي متهم بالمستقبل فإن تعيين بعض الهيئات التجارية لإصدار أحكام بشأنها سوف يتسبب بالمتاعب .
* أستاذ في تشكيل ونمو رأس المال في جامعة هارفارد

