الأخبار الطيبة هي أن تقصير اليونان في السداد والذي أصبح أكثر ترجيحاً بعد رفض رئيس الوزراء اليوناني الكسيس تسيبراس المستفز لعرض الإنقاذ المالي والذي وصفه بالسخيف لم يعد يشكل تهديداً جدياً لبقية أوروبا، والأخبار السيئة هي أن تسيبراس لا يبدو أنه يدرك ذلك.
إن عدائية تسيبراس توحي بأنه يؤمن بقوة ان أوروبا تحتاج اليونان بالقوة التي تحتاج اليونان لأوروبا وهذا ما يمكن ان نسميه "السخافة" الحقيقية فيما يتعلق بالمفاوضات الحالية علما ان سوء فهم تسيبراس لقدرته على المساومة يمكن ان يتسبب بكارثة لبلده أو بإذلال حزبه سيريزا او كليهما.
ان النتيجة الأكثر ترجيحا هو ان تسبيراس سوف يتنصل من كلامه وسوف يخضع للشروط التي حددتها الترويكا (المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) قبل نهاية يونيو ولو لم يفعل سوف يقوم البنك المركزي الأوروبي بالتوقف عن دعم النظام المصرفي اليوناني، والحكومة لن يبقى معها اموال لخدمة الديون الأجنبية والاهم من ذلك كله ان الحكومة لن تتمكن من دفع اجور اليونانيين ورواتبهم التقاعدية.
اذا فقدت اليونان جميع اشكال التمويل الخارجي فسوف تصبح اليونان بلداً خارج عن القانون اقتصاديا - ارجنتين أوروبا- ومن المفترض ان يؤدي الضغط الشعبي إلى اخراج حزب سيريزا من السلطة.
إن النتيجة هي مأساوية بامتياز نظرا لأن التحليل الاقتصادي الذي عكس مطالبة سيريزا بتخفيف التقشف كان صحيحاً بشكل عام ولكن عوضاً عن السعي للحصول على تسوية لانقاذ ماء الوجه من اجل التخفيف من برنامج الترويكا قام تسبيراس بتضييع ستة اشهر في معارك رمزية على قضايا غير ذات صلة اقتصاديا مثل قوانين العمل والتخصيص وحتى اسم الترويكا.
إن هذا التصرف المستفز قد جعل اليونان تخسر جميع حلفائها المحتملين في فرنسا وايطاليا والأسوأ من ذلك ان الوقت الذي تم تضييعه على المواقف السياسية قد دمر فائض الميزانية الأولية والذي كان يعتبر ورقة تسبيراس الرابحة خلال المفاوضات المبكرة.
ان تسبيراس يعتقد الآن ان لديه ورقة رابحه اخرى : خوف أوروبا من تقصير اليونان عن الدفع ولكن الذي قام بالترويج لهذا الوهم هو وزير المالية يانس فاروفاكيس.
إن يانس والذي يعتبر أستاذاً في نظرية اللعبة تبجح مؤخرا في حديث مع صحيفة نيويورك تايمز إن "اليونان الصغيرة ومن اجل البقاء يمكن أن تسقط العالم المالي" وإن صورته الإعلامية "كأحمق غير عقلاني تساعده في عمله" وذلك بإخافة وزراء مالية الاتحاد الأوروبي.
يبدو أن يانس فاروفاكيس يعتقد ان "ادراكه المعقد لنظرية اللعبة" يعطي اليونان افضلية حيوية فيما يتعلق بالديناميكية المعقدة للمفاوضات، وفي واقع الأمر فإن اللعبة الموجودة حاليا في أوروبا هي مثل لعبة التيك تاك تو وليس لعبة الشطرنج حيث ان نتيجة التعادل هي النتيجة الاعتيادية ولكن اي حركة خاطئة تعني الهزيمة المؤكدة.
ان قواعد هذه اللعبة هي ابسط بكثير من ما توقعه فاروفاكيس وذلك بسبب حدث تاريخي حصل في نفس اسبوع الانتخابات اليونانية. لقد اتخذ البنك المركزي الأوروبي بتاريخ 22 يناير اجراء حاسماً وذلك بحماية منطقة اليورو من تقصير يوناني عن الدفع. إن اعلان رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي لبرنامج ضخم لشراء السندات أكبر بكثير بالنسبة لسوق السندات في منطقة اليورو مقارنة بالتخفيف الكمي في الولايات المتحدة الأميركية واليابان يعني ان دراجي قد انشأ جدار حماية لا يمكن اختراقه والذي كانت هناك حاجة إليه من اجل حماية الاتحاد النقدي من الانهيار المالي على غرار ليمان.
إن قدرة البنك المركزي الأوروبي الآن على طبع الأموال بدون حدود من اجل دعم البنوك والحكومات قد قلص كثيرا من احتمالية العدوى اليونانية وهذا يمثل تغييراً كبيراً في البيئة المالية الأوروبية والتي يفشل السياسيون اليونانيون والكثير من المحللين الاقتصاديين في فهمها وعندما يلاحظ المدخرون في دول اليورو المدن الاخرى مثل البرتغال وإسبانيا فإنهم سوف يخشون من خسائر مشابهة وينقلون اموالهم إلى بنوك في المانيا أو النمسا بالإضافة إلى بيع اصولهم في السندات الحكومية البرتغالية أو الإسبانية.
لو بدأ المدخرون في البنوك البرتغالية بتحريك اموالهم إلى ألمانيا فإن البنك المركزي الأوروبي سوف يعيد تدوير اليورو الخاص بهم بإعادتها إلى البرتغال وذلك من خلال الودائع بين البنوك، ومرة اخرى لا يوجد حد لكمية الأموال التي يمكن للبنك المركزي الأوروبي اعادة تدويرها طالما بقيت البنوك قادرة على السداد وهذا ما سيحصل طالما استمر البنك المركزي الأوروبي في شراء السندات الحكومية البرتغالية.
باختصار فإن برنامج البنك المركزي الأوروبي لشراء السندات قد حول البنك المركزي الأوروبي من مراقب سلبي لأزمة اليورو لا يستطيع الحركة بسبب القيود القانونية لمعاهدة ماسترخت والتي عفى عليها الزمن إلى مقرض الملاذ الأخير الحقيقي والآن مع السلطات التي لديه لتسييل الديون الحكومية إلى نقود وهي سلطات تشابه تلك الموجودة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك اليابان وبنك انجلترا، فالبنك المركزي الأوروبي يستطيع الآن ضمان منطقة اليورو ضد العدوى المالية.
لسوء حظ اليونان ان حكومة تسيبراس لم تدرك ذلك بعد فالسياسيون اليونانيون والذين ما زالوا ينظرون إلى خطر العدوى المالية كورقتهم الرابحة يجب ان يلاحظوا تصادف الانتخابات اليونانية مع برنامج شراء السندات للبنك المركزي الأوروبي وأن يستخلصوا العبرة من ذلك، فلقد كان الهدف من السياسة الجديدة للبنك المركزي الأوروبي هو حماية اليورو من عواقب خروج اليونان او تقصيرها عن الدفع.
إن الاستراتيجية التفاوضية اليونانية الأخيرة هي المطالبة بفدية من اجل الكف عن التهديد بالانتحار. ومثل هذا الابتزاز قد ينفع مع انتحاري ولكن اليونان تضع المسدس في رأسها وأوروبا لن تكترث كثيرا لو سحبت الزناد.
* رئيس معهد التفكير الاقتصادي الجديد ومؤلف كتاب الرأسمالية 4، مولد الاقتصاد الجديد
