نشأت في السنوات القليلة الماضية مفارقة في الأسواق المالية للاقتصادات المتقدمة، فقد خلقت السياسات النقدية غير التقليدية عبئاً هائلاً يتمثل في السيولة. ولكن سلسلة من الصدمات الأخيرة تشير إلى أن السيولة الكلية أصبحت مرتبطة بنقص شديد في السيولة في السوق. إن أسعار الفائدة الرسمية أصبحت قريبة من الصِفر (وفي بعض الأحيان أقل من الصِفر) في أغلب الاقتصادات المتقدمة، كما ارتفعت القاعدة النقدية (الأموال التي تخلقها البنوك المركزية في هيئة احتياطيات نقدية وسائلة للبنوك التجارية) ــ إلى مثليها، وثلاثة أمثالها، وفي الولايات المتحدة إلى أربعة أمثالها.

الواقع أن التداول في الولايات المتحدة اليوم يتركز عند الساعتين الأولى والأخيرة من يوم التداول، عندما يكون التجار الكثيري التداول في أوج نشاطهم؛ وبقية اليوم تصبح الأسواق ناقصة السيولة، ولا تشهد سوى قِلة من التعاملات.

ويكمن السبب الثاني في حقيقة مفادها أن أصول الدخل الثابت ــ مثل الحكومات، والشركات وسندات الأسواق الناشئة ــ لا يتم تداولها في أسواق البورصة الأكثر سيولة، وثالثاً، ليس الدخل الثابت فقط هو الأكثر افتقاراً إلى السيولة، بل إن أغلب هذه الأدوات يتم الاحتفاظ بها في صناديق مفتوحة تسمح للمستثمرين بالخروج بين عشية وضحاها، ورابعاً، قبل اندلاع الأزمة الأخيرة كانت البنوك صانعة لأسواق أدوات الدخل الثابت، لذا، ففي أوقات المفاجآت التي تحرك أسعار السندات وعائداتها، لا تكون البنوك متاحة للعمل على تثبيت استقرارها.

باختصار، برغم أن عمل البنوك المركزية على خلق السيولة الكلية، فإنه أدى أيضاً إلى تكثيف التداولات، في حين يعني تخفيف القيود التنظيمية أن صناع الأسواق تاهوا في المعمعة.

ولكن بمرور الوقت، كلما عملت البنوك المركزية على خلق السيولة لفترة أطول لقمع التقلبات القصيرة الأجل، زادت من تغذية الفقاعات في أسواق الأسهم، والسندات، وغير ذلك من أسواق الأصول، هذه هي النتيجة المتناقضة للاستجابة السياسية للأزمة المالية.

*أستاذ الاقتصاد في كلية شترين لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك