إن معدل التضخم المنخفض في الولايات المتحدة يُعَد لغزاً محيراً، وخاصة بالنسبة لخبراء الاقتصاد الذين يركزون على العلاقة بين التضخم والتغيرات الطارئة على القاعدة النقدية. ففي الماضي، كانت الزيادة والنقصان في معدل نمو القاعدة النقدية (العملة المتداولة بالإضافة إلى احتياطيات البنوك التجارية التي يحتفظ بها البنك المركزي) تؤدي إلى ــ أو على الأقل تصاحبها ــ ارتفاعات وانخفاضات في معدل التضخم. ولأن القاعدة النقدية يتم التحكم فيها بشكل مباشر عن طريق البنك المركزي، ولا تنشئها البنوك التجارية، فإن كثيرين يعتقدون أنها المقياس الأفضل لمدى تأثير السياسة النقدية.
تاريخياً، كان بنك الاحتياطي الفيدرالي يستخدم عمليات السوق المفتوحة لزيادة احتياطيات البنوك التجارية، فيشتري سندات الخزانة منها. وكانت البنوك تتبادل سندات الخزانة ذات الفائدة في مقابل ودائع احتياطية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي لم يكن يتقاضى أي فائدة. وما كان ذلك ليصبح منطقياً إلا إذا استخدم البنك الاحتياطيات لدعم الإقراض الموسع والودائع.
وكان بوسع البنك الذي لا يحتاج إلى احتياطيات إضافية أن يقرضها بطبيعة الحال إلى بنك آخر يحتاج إليها، فيكسب الفائدة بالسعر المقدم على الأموال الفيدرالية على هذا القرض ما بين البنكين. وفي الأساس، "استُخدِمَت" كل الاحتياطيات الزائدة في نهاية المطاف لدعم الإقراض التجاري المتزايد.
ثم تغير كل هذا في عام 2008، عندما سمح إصلاح تشريعي لبنك الاحتياطي الفيدرالي بدفع الفائدة على الاحتياطيات الزائدة. وبات بوسع البنوك التجارية أن تبيع سندات الخزانة والسندات الأطول أجلاً إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي، والحصول على احتياطيات في المقابل، فضلاً عن كسب عائد صغير ولكنه آمن للغاية على هذه الاحتياطيات، وقد أعطى هذا بنك الاحتياطي الفيدرالي القدرة على البدء في مشترياته الشهرية الضخمة من السندات الطولية الأجل والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري في عام 2010. وقد سمح هذا التيسير الكمي لبنك الاحتياطي الفيدرالي بدفع أسعار الفائدة الطويلة الأجل إلى الانخفاض بشكل مباشر، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع سوق الأسهم وتعافي أسعار المساكن التي يشغلها مالكوها. وكانت الزيادة الناتجة عن هذا في ثروات الأسر سبباً في تعزيز الإنفاق الاستهلاكي وتنشيط البناء السكني. واستجابت الشركات لهذا بتصعيد وتيرة الاستثمار.
صحيح أن بنك الاحتياطي الفيدرالي زاد حيازته من الأوراق المالية من أقل من تريليون دولار في عام 2007 إلى أكثر من 4 تريليونات دولار اليوم، ولكن بدلاً من استخدامها لتسهيل الزيادة في إقراض البنوك التجارية والودائع، احتفظ بنك الاحتياطي الفيدرالي بالاحتياطيات الإضافية التي خلقتها هذه العملية ــ فهي ببساطة منتج ثانوي للجهود الرامية إلى دفع أسعار الفائدة الطويلة الأجل إلى الانخفاض وزيادة ثروات الأسر عن طريق التيسير الكمي، وهذا يعيدنا إلى اللغز الواضح الذي يكتنف التضخم المنخفض.
الواقع أن مؤشر أسعار المستهلك في مجمله أصبح في واقع الأمر أقل قليلاً الآن عما كان عليه قبل عام واحد، الأمر الذي يعني ضمناً معدل تضخم سلبيا. والسبب الرئيسي وراء هذا هو انخفاض أسعار البنزين وغير ذلك من أسعار الطاقة. كما انخفض مكون الطاقة في مؤشر أسعار المستهلك على مدى الأشهر الـ12 الماضية بنسبة 19%. أما مؤشر أسعار المستهلك "الأساسي"، الذي يستبعد أسعار الطاقة والغذاء المتقلبة، فقد ارتفع (ولو بنسبة 1.8% فقط) ، وعلاوة على ذلك، كان ارتفاع قيمة الدولار في مقابل عملات أخرى سبباً في خفض تكاليف الاستيراد، الأمر الذي فرض ضغوطاً تنافسية على الشركات المحلية حملها على خفض أسعارها. وقد تجلى هذا بشكل واضح في الفارق بين معدل التضخم السنوي لأسعار السلع، والذي كان 0.2% بالسالب ومعدل تضخم أسعار الخدمات الذي بلغ 2.5% (على مدى الأشهر الـ12 الماضية).
ورغم هذا فإن التضخم سوف يتجه إلى الارتفاع في العام المقبل. فقد أصبحت أسواق العمل محكمة بشكل كبير، مع هبوط معدل البطالة الإجمالي إلى 5.4%. وانخفض معدل البطالة بين أولئك الذين ظلوا بلا عمل لأقل من ستة أشهر ــ وهو مؤشر رئيسي للضغوط التضخمية ــ إلى 3.8%. ولا يتجاوز معدل التضخم بين خريجي الجامعات الآن 2.7%.
ونتيجة لهذا فإن التعويض الإجمالي عن ساعة العمل آخذ في الارتفاع بسرعة أكبر، مع زيادة المعدل الإجمالي إلى 3.1% في الربع الأول من عام 2015، من 2.5% في عام 2014 ككل ونحو 1.1% في عام 2013. ولم تظهر تكاليف الأجور الأعلى هذه حتى الآن في التضخم الإجمالي بسبب التأثير التعويضي الناتج عن أسعار الطاقة وتكاليف الاستيراد. ولكن مع تلاشي هذه التأثيرات المؤقتة في العام المقبل، فإن تضخم الأسعار الإجمالي سوف يبدأ في الازدياد بسرعة أكبر.
الواقع أن خطر التضخم يظل إيجابيا، وخاصة إذا التزم بنك الاحتياطي الفيدرالي بخطته بالإبقاء على أسعار الفائدة الحقيقية القصيرة الأجل سلبية حتى نهاية عام 2016 وزيادتها إلى نقطة مئوية واحدة فقط بحلول نهاية عام 2017. وإذا ارتفع التضخم بمعدل أسرع من توقعات بنك الاحتياطي الفيدرالي، فربما يضطر إلى زيادة أسعار الفائدة بسرعة، مع ما قد يخلفه ذلك من تأثيرات سلبية على الأسواق المالية بل وربما على الاقتصاد عموماً.
* أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد
