كان اعتقال مسؤولين تنفيذيين في الاتحاد الدولي لكرة القدم على خلفية مجموعة من الاتهامات بالاحتيال والفساد من الأخبار التي احتلت الصفحات الأولى في الأيام الأخيرة. ولكن الاتهامات التي ساقتها السلطات السويسرية والأميركية تركز على الرشوة والاختلاس.
ففي إبريل، أصدرت منظمة هيومان رايتس واتش لحقوق الإنسان تقريراً عن معاملة عمال صناعة الملابس في بنغلاديش. وقد أبرز التقرير، الذي استحثه انهيار رانا بلازا في عام 2013، حيث لقي أكثر من 1100 شخص مصرعهم وأصيب أكثر من 2000 بجروح، ظروف العمل السيئة، وعدم كفاية التفتيش على معايير البناء، وقوانين العمل الضعيفة، والحاجة إلى ممارسات أكثر عدالة في ما يتصل بالأجور والمزايا القانونية، والأمثلة الأخرى كثيرة. ففي قطاع التكنولوجيا، واجهت شركة أبل وشركة فوكسكون انتقادات شديدة بسبب ظروف العمل في مواقع إنتاج الشركتين في الصين. وهي ليست حالات معزولة. ففي مقابل كل كارثة أو حالة جاذبة للتغطية الإعلامية والعناوين الرئيسة، هناك العديد من الحالات الأخرى التي لا نسمع بها مطلقاً.
ومع ذلك، فالأمل قائم في أن تصبح معاملة الأشخاص الذين يصنعون السلع، وينتجون الخدمات، ويبنون لنا الأشياء التي تجعلنا سعداء ومنتجين ــ من الملابس والتكنولوجيا إلى الملاعب الرياضية والمنشآت التعليمية ــ خاضعة للمزيد من التدقيق والمراجعة. وينبغي للعولمة أن ترغم المديرين ــ ونحن جميعاً ــ على الانهماك في التفكير الجاد حول ممارسات العمل في مختلف أنحاء العالم.
وهنا تتعقد الأمور. فما الذي يمكن اعتباره قوة عمل أي شركة؟ وهل العاملون »لديها« هم فقط أولئك الأشخاص المدرجون على دفاتر الأجور؟ وهل الشركات مسؤولة عن سلسلة التوريد الخاصة بمنتجاتها كاملة؟ وإلى أي درجة قد تتحمل أي شركة ــ أو ينبغي لها أن تتحمل ــ المسؤولية عن الاختيارات التي يتخذها أولئك الذين ربما كانوا على بُعد حلقات عديدة من سلسلة التوريد؟ وعندما تعلم أي شركة عن قضية خطيرة، فهل يصبح مديروها ملتزمين بمعالجتها، حتى وإن كانت تنطوي على مقاول من الباطن لمقاول آخر من الباطن؟
كلما كانت الشركة أكبر وأكثر تعقيداً، أصبح من الصعب أن تتتبع كل الشركات التي تزاول معها أعمالاً تجارية، والتي تمنح العقود بعد ذلك من الباطن لشركات أخرى، وهكذا. ليس من المستغرب إذن أن تزعم الشركات أن مسؤوليتها لا ينبغي أن تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. ولكن هذه ليست الإجابة؛ بل هو اختيار. ذلك أن المنظمات قادرة على اتخاذ القرار بتمديد نطاق مسؤوليتها. وبوسعها حتى أن تقرر أن تريد أن تعرف المنشأ الكامل لكل المواد والمكونات التي تحتوي عليها منتجاتها، وأنها تعتزم محاسبة مورديها الممتدين.
وبهذا المعنى، فكلما كانت الشركة أكبر، باتت مسؤولياتها أعظم. ولكن الشركات الأكبر حجماً تمتلك القدرة أيضاً على التحول إلى قوة للخير، سواء على المستوى المحلي أو العالمي. فإذا قررت شركة بحجم وال مارت لبيع التجزئة في الولايات المتحدة أنها لن تسمح بسبل التعبئة والتغليف المهدرة للموارد، فإن قوتها الشرائية سوف تؤدي إلى إحداث التغييرات في عمليات التغليف والتعبئة في قطاع التجزئة بالكامل. ويصدق الأمر نفسه على الأجور وممارسات العمل.
عندما تتعامل أكبر الشركات والعلامات التجارية المشهورة على مستوى العالم بجدية مع مسؤولياتها كمشترية أو بائعة أو صانعة، وتتمسك بالالتزام بالعمل وفقاً للقيم الأساسية، فسوف تحذو الشركات الأخرى حذوها ــ أو تخاطر بالتخلف عن الركب. إن الشركات التي تزاول أعمالها استناداً إلى السلوك الأخلاقي وتسعى إلى تحسين حياة كل من يرتبطون بتصنيع وتسويق وتوزيع منتجاتها سوف تستفيد من الشهرة، أو المزيد من الأعمال التجارية، أو ببساطة عدم ظهورها كمثال سيئ.
وعلى النقيض من ذلك، فإن الشركات التي يعتقد مديروها بأن السوق التنافسية ليست المكان المناسب للسلوك الأخلاقي سوف تعاني عندما ينقل مستهلكوها أعمالهم إلى أماكن أخرى؛ أو عندما ترغمهم القيود التنظيمية والغرامات الحكومية على تغيير أساليبها؛ أو تصبح غير قادرة على اجتذاب قوة عمل متعلمة ومتزايدة البراعة والإدراك. وكل هذا ــ التدقيق المستمر، والدعاية الصحافية السيئة، والسمعة المشوهة ــ كفيل بدفع أسعار أسهمها في الأمد البعيد إلى الحضيض.
وبوسعنا أن نقول الشيء نفسه عن منظمات مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم. فعندما يستقر في يقين الرعاة مثل كوكاكولا وأديداس أن سمعتهم سوف تتأثر سلباً بشدة بسبب تعاونهم مع منظمة تشارك في ممارسات فاسدة، فإنها سوف تحمل أموالها إلى أماكن أخرى.
إن الشركات تتألف من بشر. ولابد أن تكون أمور مثل دفع أجور عادلة، وتبني ممارسات أخلاقية في تدبير مصادرها، والحفاظ على كرامة العاملين لديها، جزءاً من الطريقة التي تحسب بها مدى نجاحها. أما أولئك الذين يفصلون أنفسهم عن مصير الآخرين، ويعملون بلا ضمير أو حس بالصواب والخطأ، ولا يبالون باللياقة الإنسانية، فلا يجوز لهم أن يتولوا إدارة منظمات أو أن يجلسوا في مجالس إدارة الشركات. ولا ينبغي لنا أبداً أن نتقبل أن يأتي ما قد يسعدنا على حساب أشخاص آخرين يتكبدون ثمناً باهظاً.
* الرئيسة التنفيذية لشركة ماركوس للاستشارات الاستثمارية
